وبالسنة، هذا الدين، فالعمدة في معرفته حق المعرفة القرآن والسنة العملية التي لم تعرف إلا بجريهم عليها، ولا سعة لمسلم أن يخرج عن هذين الأمرين باجتهاده ورأيه، أما ما لم يجر عليه العمل، ولم يرد في القرآن من أخبار الآحاد القولية أوالعملية التي لم تكن سنة متبعة للسواد الأعظم منهم، فهي التي يجوز أن تكون محلا لاجتهاد المجتهدين من حيث صحة روايتها وتحقيق المراد منها، وسلامتها من المعارضة، والترجيح بين المتعارضات منها، ولا يصح أن يكون شيء من ذلك عقيدة، ولا أمرا كليا من أمور الدين ; إذ لوصح هذا لكان منافيا لمنة الله على المؤمنين كافة بأنه أكمل لهم الدين، وأتم عليهم النعمة، ولا يعقل أن يكون هذا الإكمال والإتمام متوقفا على ما لم يطلع عليه إلا الآحاد من الناس، بل يكون هذا النوع في الفروع والمسائل الجزئية التي ينفع العلم بها ولا يضر أحدا في دينه أن يجهلها ; ولهذا لم يشترط أحد من العلماء في الاجتهاد والإمامة في فهم الدين الإحاطة بأحاديث الآحاد المتعلقة بهذه الجزئيات» ( [56] )
وقد وجد العلمانيون في مقولات الشيخ محمد عبده ومثيلاتها البغية، فزعموا أن من الواجب علينا لفهم الدين بطريقة صحيحة في هذا العصر تجديد الدين كله بدءًا من الأصول والقواعد وانتهاءًا بالفروع والتطبيقات، وأن لهم سلفًا في هذا المطلب وهم رجال الإصلاح الديني، ومن أمثلة الأقوال التي تعبر عن ذلك، قول د. نصر أبوزيد:
«يتفق الخطاب الديني على أن النصوص الدينية قابلة لتجدد الفهم واختلاف الاجتهاد في الزمان والمكان، لكنه لا يتجاوز فهم الفقهاء لهذه الظاهرة، ولذلك يقصرها على النصوص التشريعية، دون خصوص العقائد أوالقصص، وعلى هذا التحديد لمجال الاجتهاد يؤسس الخطاب الديني لمقولة صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، ويعارض إلى حد التكفير الاجتهاد في مجال العقائد أوالقصص الديني» ( [57] ) .
ويقول في موضع آخر: «وليست ثمة عناصر جوهرية ثابتة في النصوص» ( [58] ) .
ويرى د. حسن حنفي أن مجال التجديد يبدأ من أصول الدين بإعادة بنائه من جديد، فيقول: «يجب تغيير تلك النظرية الموروثة طبقًا لحاجات العصر، ابتداءًا من علم «أصول الدين» الذي يعطي الجماهير الأسس النظرية العامة، التي تحدد تصوراتنا للكون وابتداءً من إعادة بناء