يثبت الشاعر في إيجابيّة فيها تعقّل واتّزان أنكل واحد من الأخ الواتر والابن المفقود يصلح لأن يكون عوضًا من فقدان الآخر، فيطفئ، لهيب القلب على الولد المقتول بهذا الفكر المقلوب بالشعر، مدركًا أن الاقتصاص من أخيه يضعف مركزه في القبيلة فيكتفي بمصيبة واحدة.
ومع كثرة النصوص الجاهلية التي تصور التعصب القبلي بأنواعه المختلفة والتي ترفد نهر العصبية الكبير، فإن هناك مواقف أخرى لشعراء من قبائلهم لا تأتي على شاكلة التعصب، وإِنْ هي إلاّ شكل من أشكال الأنَفَة والعزّة. وهذه من السمات الإيجابية الموفّقة التي جاءت في الشعر الجاهلي.
فقتلُ خادمِ، أحد أثرياء قبيلة (خزيمة) العربية، يثير نخوة سيده فينتقم من القتلة مع أنهم أولاد عمه، ويفارق أهله من أجلهم.
أنفة فيها بسط الحماية على الخدم والموالي. ولو أدّى الأمر إلى فراق القبيلة التي تصبح غادرة باغية كما في قول طرفة الخزيمي [1] :
أَيَا راكبًا إِمَّا عَرَضْتَ فبلِّغَنْ ... بَني فَقْعسٍ قولَ امرئ نَاخِل الصّدر [2]
فوالله ما فَارَقْتُكم عن كَشَاحةٍ ... ولا طيب نفسٍ عنكم آخر الدَّهْرِ [3]
ولكنّني كنْتُ امرًا من قَبِيْلَةٍ ... بَغَتْ وَأَتتني بالمظَالِم والفَخرِ
فإنّي لشرّ الناس إن لم أتبهُمْ ... على آلة حَدْبَاء نَائِبَة الظّهر [4]
ولكن دافع الأنفة مصلحة شخصية دفعته ليأخذ بثأره. ويبقى أن نلاحظ ضمنيًا موافقة الطبقة الغنية المتحكمة برقاب العبيد على تصرف طرفة وأمثاله. ويصبح للمسألة طرف آخر حين نتذكر أن دفاع الأغنياء والمالكين عن عبيدهم يصرّف الطاقة الثورية لدى هؤلاء العبيد، وهذا نوع من علم النفس الدعائي يعرفه البدوي بفطرته.
(1) شاعر جاهلي من بني خزيمة بن رواحة بن ربيعة.
(2) ناخل الصدر: صافي القلب غير مناف.
(3) عن كشاحة: أي عن عداوة.
(4) حماسة أبي تمام: شرح التبريزي: ج1 /ص230. القاهرة 1955.