لم يكن في المسألة بت، فبعضهم يفجع بقتل أخيه، ولا ينتقم له، فإذا انتقم له عاد ضرر ذلك عليه، لأن الرجل بعشيرته، وإذا صفح وعفا فهو خير له، فالانتقام من عشيرته يوهن عظمه ويضعف قومه. فعوضًا عن متابعة طلب الثأر الذي يستدعي بدوره ثأرًا آخر تنتهي القضية بالوصول إلى حل مقبول (ثمن الدم) فيتقبل المنتقم ذلك على كره منه لأن شرفه قد مس، ولكن المداخلات التي أملاها الحس السليم، ومراعاة المصالح تتغلب على وساوسه فيرضخ للأمر الواقع بعد مساومات [1] ."وفي هذا يقول الحارث بن وَعْلة الجرمي [2] وقد قتل قومه أخاه [3] :"
قَوْمي هُمً قَتَلو أُمَيْمَ أخي ... فإذا رَمَيْتُ يصيبني سَهْمِي
فَلَئِنْ عَفَوْتُ لأَعْفون جَللًا ... وَلَئِنْ سَطَوْتُ لأوهِنَنْ عَظْمِي
وربما تبادر إلى الذّهن أنّ الخوف كان حائِلًا دون الانتقام، ولا يستبعد ذلك، ورغم أنه حوّل الكلام من الإخبار إلى الخطاب فإنه قد أجرى محاكمة عقلية في ذهنه تنم عن إدراك للبيئة وللعادات والتقاليد التي حوله.
لكن جلاء الأمر في إطار من الإيجابية يظهر في حادثة قتل أقرب كما في قول أعرابي قتل أخوه ابنًا له [4] :
أقولُ للنَّفس تَأْسَاءً وتَعْزِيَةً ... إحدى يديّ أصابتني ولم تُرِدِ [5]
كلاهما خَلفٌ من فَقْد صاحِبِه ... هذا أخي حين أَدْعُوه وذا وَلَدِي
(1) تاريخ الأدب العربي: (بلاشمير. ج1 /29. دمشق 1964 منشورات وزارة الثقافة.
(2) شاعر جاهلي من فرسان قضاعة، وهو غير الحارث بن وعلة الشيباني.
(3) حماسة أبي تمام، شرح لاتبريزي: ج1 /ص100. القاهرة 1955. وأميم. مرغم. أميمة.
(4) المصدر السابق نفسه. والرغم، هو الإذلال.
(5) التأساء: ما يؤتسى به من الحزن، والتعزية: حسن التصبر. فهو يطلب التأسّي وحسن التصبر.