فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 306

بل هناك قبائل متناحرة، وإمارات متناصرة، إذا ارتكب إنسان جريمة في أرضها، وفرّ إلى أرضٍ أخرى نجا بنفسه، وأمّن على حياته هناك ولكنه كان يخشى من شيء واحد،لم يكن لأحدٍ فيه عليه سلطان هو العصبية وسنّة الأخذ بالثأر حيث يتعقبه أهل المغدور، فلا يتركون الجاني يهنأ بالحياة، ولو بعد مضي عشرات السنين حتى يقتل، أو يقتل أقرب الناس إليه. وبذلك صارت العصبية ضرورة من ضرورات الحياة بالنسبة لسكان جزيرة العرب لحمايتهم وصيانتهم من عبث العابثين [1] "."

ولكنها إذا جعلت الحق باطلًا، والباطل حقًا، تصبح غير مقبولة أبدًا وهي سمة منبوذة،والحكم الفصل بين الوضع الأول والوضع الثاني. هو موقف الإسلام منها، فقد كثرت الآثار في ذمها، واعتبرتها شيئًا خطيرًا، وعاملًا دائمًا في زلزلة الجماعة.

ورد عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عميّة يغضب لعصبة، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة فقتل فقتلة جاهليّة [2] ...") "

كما اعتبرها الإسلام أخطر ما يمزق جسم المجتمع، وبيّن أن القتال تحت رايتها جاهلية عمياء. وأحاديث هذا الموضوع كثيرة، ولكن بعضها يحمل إشارة حمراء تفضح خطر العصبية [3] .

وتنطلق العصبية من عقال السلبية إذ تصبح مجلس أمن تثار فيه القضايا المصيرية للقبيلة، وتبحث فيه أفضل الحلول المناسبة، وتصبح استشارة أصحاب البيان والرأي في القبيلة أو في غيرها مثار فخر، إذا غاب عن المرء وجه الرأي الصحيح، يقول سعية بن الغريض [4] :

(1) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، د. جواد علي. ج5 /ص334.

(2) صحيح مسلم، شرح النووي: ج12 - ص 238 - 239. طبعة القاهرة 1349 هـ.

(3) انظر المصدر السابق: ج12 /ص240.

(4) الأصمعيات. ص83، الطبعة الثانية. القاهرة 1961. وسعيُة شاعر متقدّم وهو أخو السموءل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت