فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 306

ويعود مردود الجانب المادي على القبيلة فتبدو متمسكة قوية تهابها القبائل الأخرى.

وقد كان يُخشى من حركة الصعاليك لسبب آخر غير سيفها، والخشية في كونها قد تصبح بديلًا حيًا عن الوضع القبلي، الذي لم تكن الأمة على جانب من التطور بحيث تتخلى عنه، مع أن واقع الحال يثبت استنتاجًا مفاده أن الخيوط الرابطة تبين أفراد القبيلة أقواها خيط المصلحة الاجتماعية والاقتصادية في صحراء لا شرعة فيها ولا قانون، ثم أصبحت قالبًا دمويًا فيما بعد. مع ذلك فلو أتيح لحركة الصعاليك أن تجد قبولًا شعبيًا أفقيًا وعموديًا، لحلّت محل العصبية القبلية!...

وهذا الاندماج الكامل لشخص الشاعر في هيكل القبيلة أمر غير مقبول، أدّى إلى اختلال في فكر الشعراء، مما جعل العاقل النابه منهم، يتبع جاهل القوم، تحت ضغط الأعراف والتقاليد، وقد يملك رأيًا ينقذ به القبيلة لو حملها عليه، لكنه يسير في إطار التبعيّة حيث الغيّ والرشد مرتبطان بالعشيرة؛ قال دريد بن الصمة [1] :

أمرتُهم أمري بمنعرج اللّوى ... فلم يستبينوا الرّشدَ إلاَ ضُحى الغدِ

فلمّا عصوني كنتُ منهم وقد أرى ... غوايتهم وأنني غيرُ مُهْتَدِ

وما أنا إلا من غزيّة إِنْ غَوت ... غويتُ وإِنْ ترشد غزيّة أَرْشدِ

ونستطيع أن نرى خلاصة للعصبية في أنها عصبيتان، عصبية مضرّة بالقبيلة، وعصبية مفيدة للقبائل مجتمعة فهي"من الضرورات اللازمة بالنسبة إلى الحياة فهي الجاهلية، لأنها الحائل الذي يحول بين الفرد، وبين الاعتداء عليه، والرادع الذي يمنع الصعاليك والحلفاء، والمستهترين بالسنن من التطاول على حقوق الناس، إذ لا حكومة قوية رادعة ولا هيئة حاكمة في استطاعتها الهيمنة على البوادي، وعلى الأعراب المتنقلين."

(1) الأصمعيات: ص/ 107.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت