وقال السعدي [1] : «والخسار مراتب متعددة متفاوتة: قد يكون خاسرًا مطلقًا، كحال من خسر الدنيا والآخرة، وفاته النعيم، واستحق الجحيم، وقد يكون خاسرًا من بعض الوجوه دون بعض، ولهذا عمم الله الخسار لكل إنسان، إلا من اتصف بأربع صفات: الإيمان بما أمر الله بالإيمان به، ولا يكون الإيمان بدون العلم، فهو فرع عنه لا يتم إلا به، والعمل الصالح، وهذا شامل لأفعال الخير كلها، الظاهرة والباطنة، المتعلقة بحقوق الله، وحقوق عباده، الواجبة والمستحبة. والتواصي بالحق، الذي هو الإيمان والعمل الصالح، أي: يوصي بعضهم بعضًا بذلك، ويحثه عليه، ويرغبه فيه، والتواصي بالصبر على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى أقدار الله المؤلمة، فبالأمرين الأولين، يكمل العبد نفسه. وبالأمرين الأخيرين يكمل غيره، وبتكميل الأمور الأربعة، يكون العبد قد سلم من الخسار، وفاز بالربح العظيم» .
وقفة تأمل:
أخي المسلم: قف عند كل آية من آيات هذه السورة العظيمة بل عند كل كلمة منها، بل عند كل حرف وتأمل فيها.
تأمل وتفكر، لماذا أقسم المولى عز وجل بالعصر؟ وما هو العصر؟ وما حقيقة الخسارة؟ وما حقيقة الربح؟
واعلم أن الله عز وجل أقسم بالعصر تنبيها وتذكيرًا وإشارة ودلالة على أهمية العصر وعظيم قيمته ووجوب حفظه، والعصر هو الزمن، وهو عمر الإنسان، الذي لا يقدر بثمن عند من عرف أن الأمر جد، ليس بالهزل كما قال تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} [2] .
وكما قيل:
قد رشحوك لأمر لو فطنت له
فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
وقال الآخر:
الأمر جد وهو غير مزاح
فاعمل لنفسك صالحًا يا صاح
(1) في «تيسير الكريم الرحمن» 7/670.
(2) سورة القيامة، آية: 36.