فذكر تعالى المراتب الأربعة في هذه السورة، وأقسم سبحانه في هذه السورة بالعصر أن كل أحد في خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهم الذين عملوا بما علموه من الحق فهذه مرتبة أخرى، وتواصوا بالحق، ووصى بعضهم بعضًا بالصبر عليه والثبات، فهذه مرتبة رابعة، وهذه نهاية الكمال؛ فإن الكمال أن يكون الشخص كاملًا في نفسه مكملًا لغيره، وكماله بإصلاح قوتيه العلمية والعملية، فصلاح القوة العلمية بالإيمان، وصلاة القوة العلمية والعملية، فصلاح القوة العلمية بالإيمان، وصلاح القوة العملية بعمل الصالحات، وتكميله غيره بتعليمه إياه، وصبره عليه، وتوصيته بالصبر على العلم والعمل. فهذه السورة على اختصارها هي من أجمع سور القرآن للخير بحذافيره. والحمد لله الذي جعل كتابه كافيًا عن كل ما سواه، شافيًا من كل داء، هاديًا إلى كل خير».
وقال أيضًا [1] : «فإن العبد له حالتان: حالة كمال في نفسه، وحالة تكميل لغيره، وكماله وتكميله موقوف على أمرين: علم بالحق، وصبر عليه. فتضمنت السورة جميع مراتب الكمال الإنساني، من العلم النافع والعمل الصالح، والإحسان إلى نفسه وإلى أخيه به، وانقياده وقبوله لمن يأمره بذلك» .
الفوائد والأحكام:
1-أن لله عز وجل أن يقسم بما شاء من مخلوقاته لقوله {وَالْعَصْرِ} وذلك لأن إقسامه عز وجل بما خلق يدل على عظمته هو، فكأنه عز وجل يقول: أقسم بما خلقت. أما المخلوق فلا يجوز أن يقسم بغير الله لأن القسم تعظيم للمقسم به، ولا يجوز ذلك إلا لله. قال - صلى الله عليه وسلم -: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» [2] .
(1) انظر «بدائع التفسير» 5/330.
(2) أخرجه أبو داود في الأيمان والنذور 3251، والترمذي في النذور والأيمان 1535 - من حديث ابن عمر رضي الله عنهما وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان 6/278، والحاكم 1/18، 4/297 ووافقه الذهبي، وصححه الألباني. وانظر «تيسير العزيز الحميد» ص589.