فتتبعت الصوت، فإذا هو شاب في مقتبل عمره، فطلبته أن يقص علي خبره، فقال: وما خبر من أسلمته ذنوبه وأوبقته عيوبه؟ فهو مرتطم في بحر الخطايا، ثم قال: أنا شاب من إحدى قبائل العرب، اسمي «منازل بن لاحق» وإني كنت على اللهو والطرب لا أفيق عنه!! وكان لي والد فاضل يعظني كثيرًا، ويقول لي: يا بني: احذر هفوات الشباب وسكراته فإن لله سطوات ونقمات ما هي من الظالمين ببعيد!! وكنت أقابل نصحه ووعظه بالسخرية والاستهزاء ويسيئ القول، فلما كان ذات يوم من الأيام ألح علي بالموعظة فمددت يدي عليه، فحلف مجتهدًا ليأتين بيت الله الحرام، فيتعلق بأستار الكعبة، ويدعو علي، فخرج حتى انتهى إلى البيت الحرام، فتعلق بأستار الكعبة وأنشأ يقول:
يا من إليه أتى الحجاج قد قطعوا ... عرض المهامة من قرب ومن بُعدِ
إني أتيتك يا من لا يخيب من ... يدعوه مبتهلًا بالواحد الصمدِ
هذا منازل لا يرتد عن عققي ... فخذ بحقي يا رحمن من ولدي
وشلَّ منه بحولٍ منكَ جانبه ... يا من تقدس لم يولد ولم يلدِ
قال منازل: فوالله ما استتم كلامه حتى نزل بي ما ترى، فإذا هو يابس (مشلول) [1] .
الموعظة التاسعة
قال عبد الله بن عبد الخالق رحمه الله: سبى الروم نساءً مسلمات، فوصل الخبر إلى أهل الرقة (مدينة في العراق) وكان الخليفة هارون الرشيد مقيمًا بها آنذاك فجيء إلى واعظ الرقة وزاهدها العبد الصالح منصور بن عمار رحمه الله فقيل له: لو اتخذت مجلسًا بالقرب من قصر الخليفة، فوعظت الناس فيه ورغبتهم في الغزو والجهاد.
(1) كتاب الرقة والبكاء - لابن قدامة المقدسي -.