قال ابن القيم الجوزي رحمه الله مخاطبًا كل عاق لوالديه: «الويل كل الويل لعاقٍ والديه، والخزي كل الخزي لمن ماتا غضابًا عليه، أفٍّ له هل جزاء المحسن إلا الإحسان إليه؟! أتبع الآن تفريطك في حقهما أنينًا وزفيرًا، وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا، كما آثراك بالشهوات على النفس!! ولو غبت عنهما ساعةً صارا في حبس!! حياتهما عندك بقايا شمس، ولقد راعياك طويلًا فارعهما قصيرًا، وقل ربِّ أرحمهما كما ربياني صغيرًا، كم ليلة سهرا معك إلى الفجر، يداريانك مداراة العاشق في الهجر، فإن مرضت أجريا دمعًا لم يجر!! تالله لم يرضيا لتربيتك غير الكف والحجر سريرًا، وقل ربِّ أرحمهما كما ربياني صغيرًا. يعالجان أنجاسك ويحبان بقاءك، ولو لقيت منهما أذى شكوت شقاءك، ما تشتاق لهما إذا غابا ويشتاقان لقاءك، كم جرعاك حلوًا وجرعتهما مريرًا، وقل ربِّ أرحمهما كما ربياني صغيرًا، أتحسنُ الإساءة في مقابلة الإحسان؟! أو ما تأنف الإنسانية للإنسان؟ كيف تعارض حسن فضلهما بقبح العصيان؟ ثم ترفع عليهما صوتًا جهيرًا، وقل رب أرحمهما كما ربياني صغيرًا. تحبُّ أولادك طبعًا، فأحبب والديك شرعًا، وارع أصلًا أثمر لك فرعًا، واذكر لطفهما بك وطيب المرعى، أولًا وأخيرًا، وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا. تصدق عنهما إن كانا ميتين، وصل لهما، واقض عنهما الدين، واستغفر لهما، واستدم هاتين الكلمتين، وما تكلف إلا أمرًا يسيرًا، وقل رب أرحمهما صغيرًا» [1] .
قال بعض الصالحين: بينما أنا أطوف حول الكعبة في ليلة ظلماء، وقد رقدت العيون وهدأت الأصوات، إذ بصوت حزين شجي يردد:
يا من يُجيب دعاء المضطر في الظلم ... يا كاشف الضر والبلوى مع الألمِ
قد نام وفدك حول البيت وانتهبوا ... أدعو وعينك يا قيوم لم تنمِ
هب لي بجودك فضل العفو عن جرمي ... يا من إليه أشار الخلق في الحرم
إن كان عفوك لا يدركه ذو سرف ... فمن يجود على العاصين بالكرم؟
(1) كتاب التبصرة - لابن الجوزي -.