ففعل المنصور كما أشاروا عليه، فبينما هو ذات يوم في مجلسه يحث الناس على النفير والجهاد في سبيل الله، إذ بخرقة مصرورة مختومة، ومعها كتاب مضموم إليها تصل إلى يد منصور بن عمار الواعظ، ففك الكتاب فقرأه فإذا مكتوب فيه: إنني امرأة من أهل البيوتات من العرب بلغني ما فعل الروم بالمسلمات، وسمعت تحريضك الناس على الغزو وترغيبك لهم في النفير، ولم أكن مستطيعة للنفير وللغزو، فعمدت إلى أكرم شيء في بدني، وهما ذؤابتاي (أي ضفيرتاي) فقطعتهما وجعلتهما في الصُّرة المختومة التي مع هذا الكتاب، وأنشدك الله العظيم أن تجعل هاتين الذؤابتين قيدًا لفرس غاز في سبيل الله تعالى؛ فلعل الله العظيم أن ينظر إلي على تلك الحال نظرة فيرحمني ويغفر لي!!
فما كاد منصور يفرغ من قراءة الكتاب حتى أجهش بالبكاء، وأجهش الناس معه، وعلا الضجيج وارتفع البكاء والنحيب، وأمر هارون الرشيد بالنفير العام لغزو الروم، وغزا بنفسه على رأس الجيش الإسلامي فهزم الروم بإذن الله وحرر السبايا المسلمات، وفتح الله على المسلمين يومها فتحًا عظيمًا [1] .
أبا سليمان قلبي لا يطاوعني ... على تجاهل أحبابي وإخواني
إذا اشتكى مسلمٌ في الهند أرقني ... وإن بكى مسلم في الصين أبكاني
ومصر ريحانتي والشام نرجستي ... وفي الجزيرة تاريخي وعنواني
وفي العراق أكف المجد ترفعني ... عن كل باغ ومأفون وخوان
ويسمع اليمن المحبوب أنشودتي ... فيستريح إلى شدوي وألحاني
ويسكن المسجد الأقصى قبته ... في حبة القلب أرعاه ويرعاني
أرى بخارى بلادي وهي نائيةٌ ... وأستريح إلى ذكرى خراسان
شريعة الله لمتْ شملنا ... وبنت لنا معالم إحسان وإيمان [2]
(1) كتاب صفة الصفوة - لابن الجوزي -.
(2) للأستاذ: عبد الرحمن بن صالح العشماوي «شاعر الأمة الإسلامية» .