قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ ما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) أي هو المسخر لهذه الكواكب الزاهرة المسير للأفلاك الدائرة، خالق الظلام و الضياء، و رب الأرض و السماء، رب الأولين و الآخرين، خالق الشمس و القمر و الكواكب السائرة، و الثوابت الحائرة، خالق الليل بظلامه، و النهار بضيائه، و الكل تحت قهره و تسخيره و تسييره سائرون، و في فلك يسبحون يتعاقبون في سائر الأوقات و يدورون، فهو تعالى الخالق المالك المتصرف في خلقه بما يشاء، فلما قامت الحجج على فرعون و انقطعت شبهه، و لم يبق له قول سوى العناد، عدل إلى استعمال سلطانه و جاهه و سطوته قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهًَا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) قالَ أَ وَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْ ءٍ مُبِينٍ (30) قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (32) وَ نَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33) ، و هذان هما البرهانان اللذان أيده اللّه بهما، و هما العصا و اليد، و ذلك مقام أظهر فيه الخارق العظيم، الذى بهر به العقول و الأبصار، حين ألقى عصاه فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ أي عظيم الشكل بديع في الضخامة و الهول و المنظر العظيم الفظيع الباهر، حتى قيل: إن فرعون لما شاهد ذلك و عاينه أخذه رهب شديد و خوف عظيم بحيث إنه حصل له إسهال عظيم أكثر من أربعين مرة في يوم، و كان قبل ذلك لا يتبرز في كل أربعين يوما إلا مرة واحدة، فانعكس عليه الحال، و هكذا لما أدخل موسى عليه السلام يده في جيبه و استخرجها أخرجها و هي كفلقة القمر تتلألأ نورا بهر الأبصار، فإذا أعادها إلى جيبه رجعت إلى صفتها الأولى، و مع هذا كله لم ينتفع فرعون، لعنه اللّه، بشي ء من ذلك بل استمر على ما هو عليه، و أظهر أن هذا كله سحر، و أراد معارضته بالسحرة، فأرسل يجمعهم من سائر مملكته و من في رعيته و تحت قهره و دولته، كما سيأتي بسطه و بيانه في موضعه من إظهار اللّه الحق المبين و الحجة الباهرة القاطعة على فرعون و ملائه و أهل دولته و ملته، و للّه الحمد و المنة.
و قال تعالى في سورة طه: إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَ لا تَحْزَنَ وَ قَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَ فَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (40) وَ اصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) اذْهَبْ