يَطْغى و ذلك أن فرعون كان جبارا عنيدا و شيطانا مريدا له سلطان في بلاد مصر طويل عريض، و جاه و جنود و عساكر و سطوة، فهاباه من حيث البشرية، و خافا أن يسطو عليهما في بادئ الأمر، فثبتهما تعالى و هو العلي الأعلى، فقال: قال لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَ أَرى، كما قال في الآية الأخرى: إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ، فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَ لا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَ السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى (47) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَ تَوَلَّى (48) ، يذكر تعالى أنه أمرهما أن يذهبا إلى فرعون، فيدعواه إلى اللّه تعالى، أن يعبده وحده لا شريك له، و أن يرسل معهم بني إسرائيل، و يطلقهم من أسره و قهره، و لا يعذبهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ و هو البرهان العظيم في العصى و اليد وَ السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى تقيد مفيد بليغ عظيم، ثم تهدداه و توعداه على التكذيب فقالا:
إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَ تَوَلَّى أي كذب بالحق بقلبه و تولى عن العمل بقالبه.
و قد ذكر السدي: و غيره أنه لما قدم من بلاد مدين دخل على أمه و أخيه هارون و هما يتعشيان من طعام فيه الطفشيل، و هو اللفت، فأكل معهما ثم قال: يا هارون، إن اللّه أمرني و أمرك أن ندعو فرعون إلى عبادته فقم معي، فقاما يقصدان باب فرعون، فإذا هو مغلق، فقال موسى للبوابين و الحجبة: أعلموه أن رسول اللّه بالباب فجعلوا يسخرون منه و يستهزءون به.
و قد زعم بعضهم أنه لم يؤذن لهما عليه إلا بعد حين طويل. و قال محمد بن إسحاق: أذن لهما بعد سنتين، لأنه لم يك أحد يتجاسر على الاستئذان لهما، فاللّه أعلم. و يقال: إن موسى تقدم إلى الباب فطرقه بعصاه، فانزعج فرعون و أمر بإحضارهما فوقفا بين يديه فدعواه إلى اللّه عز و جل كما أمرهما.
و عند أهل الكتاب: أن اللّه قال لموسى عليه السلام: إن هارون اللاوي، يعني من نسل لاوي بن يعقوب، سيخرج و يتلقاك، و أمره أن يأخذ معه مشايخ بني إسرائيل إلى