فرعون، و أمره أن يظهر ما أتاه من الآيات، و قال له: إني سأقسي قلبه فلا يرسل الشعب، و أكثر آياتي و أعاجيبي بأرض مصر، و أوحى اللّه إلى هارون أن يخرج إلى أخيه يتلقاه بالبرية عند جبل حوريب، فلما تلقاه أخبره موسى بما أمره به ربه، فلما دخلا مصر جمعا شيوخ بني إسرائيل، و ذهبا إلى فرعون، فلما بلغاه رسالة اللّه، قال: من هو اللّه، لا أعرفه؟ و لا أرسل بني إسرائيل، و قال اللّه مخبرا عن فرعون: قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (49) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْ ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (50) قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (51) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَ لا يَنْسى (52) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَ سَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْ نَباتٍ شَتَّى (53) كُلُوا وَ ارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (54) مِنْها خَلَقْناكُمْ وَ فِيها نُعِيدُكُمْ وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى (55) ، (طه) .
يقول تعالى مخبرا عن فرعون إنه أنكر إثبات الصانع تعالى قائلا: فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (49) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْ ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى أي هو الذي خلق الخلق و قدر لهم أعمالا و أرزاقا و آجالا، و كتب ذلك عنده في كتابه اللوح المحفوظ، ثم هدى كل مخلوق إلى ما قدره له، فطابق عمله فيهم على الوجه الذى قدره، و علمه لكمال علمه و قدرته و قدره، و هذه الآية كقوله تعالى في سورة الأعلى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (3) ، أي قدر قدرا و هدى الخلائق إليه قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى يقول فرعون لموسى: فإذا كان ربك هو الخالق المقدر الهادي الخلائق لما قدره، و هو بهذه المثابة من أنه لا يستحق العبادة سواه، فلم عبد الأولون غيره و أشركوا به من الكواكب و الأنداد ما قد علمت، فهلا اهتدى إلى ما ذكرته القرون الأولى؟ قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَ لا يَنْسى أي هم و إن عبدوا غيره فليس ذلك بحجة لك، و لا يدل على خلاف ما أقول، لأنهم جهلة مثلك كل شي ء فعلوه مسطر عليهم في الزبر من صغير و كبير، و سيجزيهم على ذلك ربي عز و جل، و لا يظلم أحدا مثقال ذرة، لأن جميع أفعال العباد مكتوبة عنده في كتاب لا يضل عنه