فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 226

محمد بن عبد العزيز المسعد

فصل: أسباب انحطاط الهمم:

1.الوهن: وهو كما فسره رسول الله ص ( حب الدنيا وكراهية الموت ) ،

أما حب الدنيا فرأس كل خطيئة ، وهو أصل التثاقل إلى الأرض وسبب الإنغماس في الترف ، وقد مرّ بشر الحافي على بئر فقال له صاحبه: أنا عطشان ، فقال: البئر الاخرى ، فمرّ عليها فقال له: الأخرى ، ثم قال: كذا تُقطع الدنيا .

أما كراهية الموت فثمرة حب الدنيا والحرص على متاعها ، مع تخريبه الآخرة ، فيكره أن ينتقل من العمران إلى الخراب .

حب السلامة يثني عزم صاحبه *** عن المعالي ويغري المرء بالكسل

2.الفتور: عن عبدالله بن عمر عن رسول الله ص: (إن لكل عمل شرة ، ولكل شرة فترة ، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد أهتدى ، ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك )

والشره: نشاط وقوة ، والفترة: ضعف وفتور .

لكلٍ إلى شأوِ العلا حركات *** ولكن عزيز في الرجال ثبات

3.إهدار الوقت الثمين: أي في الزيارات والسمر وفضول المباحات ، قال ص: ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس ، الصحة و الفراغ )

والوقت أنفس ما عنيت بحفظه *** وأراه أسهل ما عليك يضيع

قال الفضيل بن عياض ( أعرف من يعد كلامه من الجمعة إلى الجمعة ) ،وقال بعض السلف: ( إذا طال المجلس كان للشيطان فيه نصيب ) ، وكان عثمان الباقلاني دائم الذكر لله فقال: (إني وقت الإفطار أُحس بروحي كأنها تخرج لأجل اشتغالي بالأكل عن الذكر )

4.العجز والكسل: وهما اللذان اكثر الرسول ص من التعوذ منها ، وقد يعذر العاجز لعدم قدرته ، بخلاف الكسول الذي يتثاقل مع قدرته ، قال تعالى: ( ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين )

وقد ترى الرجل موهوبًا ونابغة فيأتي الكسل فيخذل همته ويمحق موهبته ويشل طاقته .

5.الغفلة: قال عمر ر: ( الراحة للرجال غفلة ) ، وسئل ابن الجوزي: أيجوز أن أُفسح لنفسي في مباح الملاهي . ؟ فقال: ( عند نفسك من الغفلة ما يكفيها ) ،

قال أ.محمد أحمد الراشد حفظه الله معلقًا: ( فإن اعترض معترض بمثل كلام ابن القيم حيث يقول( لابد من سِنة الغفلة ، ورقاد الغفلة ، ولكن كن خفيف النوم ) ، فالمراد التقليل من الراحة إلى أدنى ما يكفي الجسم ، كل حسب صحته وظروفه الخاصة ، فالمؤمن في هذا الزمان أشد حاجة للإنتباه ومعالجة قلبه وتفتيشه مما كان عليه المسلمون من قبل ، ذلك أنهم كانوا يعيشون في محيط إسلامي تسوده الفضائل ويسوده التواصي بالحق ، والرذائل في ستر وتواري عن عيون العلماء وسيوف الأمراء ، أما الآن فإن المدنية الحديثة جعلت كفر جميع مذاهب الكفار مسموعًا مبصرًا بواسطة الإذاعات والتلفزة والصحف ، وجعلت إلقاءات الشيطان قريبة من القلوب ، وبذلك زاد احتمال تأثر المؤمن من حيث لا يدري ولا يشعر ، فضلًا عن ارتفاع حكم الإسلام عن الأرض الإسلامية التي يعيش فيها )

6.التسويف والتمني: وهما صفة بليد الحس ، عديم المبالاة ، الذي كلما همت نفسه بخير إما يعيقها ( بسوف ) حتى يفجأه الموت فيقول: ( ربي لولا أخرتني إلى أجل قريب ) ، وإما يركب بها بحر التمني وهو بحر لا ساحل له ، يدمن ركوبه مفاليس العالم ، كما قيل:

إذا تمنيت بتّ الليل مغتبطًا *** إن المنى رأس مال المفاليس

والمنى هي بضاعة كل نفس مهينة خسيسة سفلية ، ليس لها همة تنال بها الحقائق بل اعتاضت بالأماني الدنيّة ، وقد قال المتنبي منزهًا نفسه عن الاستغراق في الأحلام ، مبينًا كيف ألف الحقائق واعتاد ركوب الأخطار:

وما كنت ممن أدرك الملك بالمنى *** ولكن بأيامٍ أشبن النواصيا

لبست لها كدر العجاج كأنما *** ترى غير صافيًا أن ترى الجو صافيا

7.مرافقة سافل الهمة من طلاب الدنيا: الذي كلما هممت بالنهوض جذبك إليها، وغرك قائلًا: ( عليك نوم طويل فرقد ) فحذارِ من مجالسة المثبطين من أهل التبطل والتعطل واللهو والعبث ،"فإن طبعك يسرق منهم وأنت لا تدري ، ومن المشاهد أن الماء والهواء يفسدان بمجاورة الجيف ، فما ظنك بالنفوس البشرية"

ولا تجلس إلى أهل الدنيا فإن خلائق السفهاء تعدي

8.العشق: لأن صاحبه يحصر همته في حصول معشوقه ، فيلهيه عن حب الله ورسوله ( وبئس للظالمين بدلا ) ، إن عالي الهمة لا يستأسر للعشق الذي يمنع القرار ويسلب المنام ويحدث الجنون ، فكم من عاشق أتلف في معشوقه ماله ونفسه ودينه ودنياه .

9.الإنحراف في فهم العقيدة: لا سيما مسألة القضاء والقدر وعدم تحقيق التوكل على الله عزوجل .

10.الفناء في ملاحظة حقوق الأهل والأولاد: واستغراق الجهد في التوسع في تحقيق مطالبهم ،نظرًا لقولهص: ( وإن لأهلك عليك حقا ) مع الغفلة عن قولهص: ( وإن لربك عليك حقا ) ، وقد عدَّ القرآن الأهل والأولاد أعداءً للمؤمن إذا حالوا بينه وبين الطاعة .

11.المناهج التربوية والتعليمية الهدّامة: التي تثبط الهمم وتخنق المواهب وتكبت الطاقات وتنشئ الخنوع ، وأخطرها وأضرها المناهج التي ارتضت العلمانية دينًا ، فراحت تسمم آبار المعرفة التي يستقي منها شباب المسلمين ، لتخرّج أجيالًا مقطوعة الصلة بالله ، تبتغي العزة في التمسح على أعتاب الغرب ، وتأنف الإنتساب إلى الإسلام .

12.توالي الضربات وازدياد اضطهاد المسلمين: مما ينتج الشعور بالإحباط في نفوس الذين لا يفقهون حقيقة البلاء وسنن الله عز وجل في خلقه ، وقد كان رسول الله ص يعزّي أصحابه المضطهدين في مكة بتبشيرهم بأن المستقبل للإسلام والعاقبة للمتقين ،

أخي ستبيد جيوش الظلام *** ويشرق في الكون فجر جديد

فأطلق لروحك اشراقها *** ترَ الفجر يرمقنا من بعيد

• فصل: أسباب ارتقاء الهمم:

1.العلم والبصيرة: فالعلم يصعد بالهمة ، ويرفع طالبه عن حضيض التقليد ويصفّي النية ، والعلم يورث صاحبه الفقه بمراتب الأعمال ، فيتّقي فضول المباحات التي تشغله عن التعبد ، كفضول الأكل والنوم والكلام .

2.إرادة الآخرة وجعل الهموم همًا واحدًا: قال تعالى: ( ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ) ، وقالص: ( من كانت همه الآخرة ، جمع الله شمله ، وجعل غناه في قلبه ، وأتته الدنيا وهي راغمة ، ومن كانت همه الدنيا ، فرق الله عليه أمره ، وجعل فقره بين عينيه ، ولم تأته الدنيا إلا ما كتب الله له ) .

3.كثرة ذكر الموت: لأنه يدفع إلى العمل للآخرة والتجافي عن دار الغرور ، ومحاسبة النفس وتجديد التوبة ، وإيقاظ العزم على الإستقامة ، قال الدقاق: ( ومن أكثر ذكر الموت أُكرم بثلاث تعجيل التوبة ، وقناعة القلب ، ونشاط العبادة ) ،

مازال يلهج بالرحيل وذكره *** حتى أناخ ببابه الحمّال

فأصابه مستيقظًا متشمرًا *** ذا أهبة لم تلهه الآمال

4.المبادرة والمداومة في كل الظروف: قال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون ) فكبير الهمة يبادر ويبادئ في أقسى الظروف حمايةً لهمته من أن تهمد ووقاية لها من أن تضمر .

5.الدعاء: لأنه سنة الأنبياء وجالب كل خير ، وقد قالص: ( أعجز الناس من عجز عن الدعاء ) وقالص: ( إذا تمنى أحدكم فليكثر ، فإنما يسأل ربه ) ،

إذا لم يكن من الله عون للفتى *** فأول مايجني عليه اجتهاده

6.الاجتهاد في حصر الذهن: وتركيز الفكر في معالي الأمور ، ولنا في ائمة السلف والخلف الأسوة في ذلك ، قال الحسن: ( نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل ) ، وكان الخليل بن أحمد يخرج من منزله فلا يشعر إلا وهو في الصحراء ، فهو يعمل الشعر فلا يشعر بنفسه ، ويقول وليم مارتن ( والعقل الإنساني يصبح أداة مدهشة الكفاءة إذا رُكز تركيزًا قويًا حادًا . . . وهذه القدرة تكتسب بالمران ، والمران يتطلب الصبر ، فالإنتقال من الشرود إلى حصر الذهن ثمرة جهد ملح )

7.التحول عن البيئة المثبطة: إن للبيئة المحيطة بالإنسان أثرًا جسيمًا لا يخفى ، فإذا كانت البيئة مثبطة داعية إلى الكسل والخمول وإيثار الدون ، فإن على المرء هجرها إلى حيث تعلو همته ، كي يتحرر من سلطانها وينعم بفرصة الترقي إلى المطالب العالية ، وأشد الناس حاجة إلى تجديد البيئة المحيطة وتنشيط الهمة ، حديث العهد بالتوبة ، فإن من شأن التحول من بيئة المعصية إلى بيئة الطاعة أن تنسيه صحبة السوء وأماكن السوء .

8.صحبة أولى الهمم العالية: ومطالعة أخبارهم ، فالطيور على أشكالها تقع وكل قرين بالمقارن يقتدي ، وإن العبد ليستمد من لحظ الصالحين قبل لفظهم ، لأن رؤيتهم تذكر بالله عز وجل ، وكان الإمام أحمد ( إذا بلغه عن شخص صلاح أو زهد أو قيام بحق أو اتباع أمر ، سأل عنه وأحب أن يجري بينه وبينه معرفة ، وأحب أن يعرف أحواله ) ، وإذا أردت أن تلمس أثر الصحبة الصالحة العالية الهمة في التسابق إلى الخيرات ، فتأمل قول محمد بن علي السلمي رحمه الله: ( قمت ليلة سحرًا لآخذ النوبة عن ابن الأخرم ، فوجدت قد سبقني ثلاثون قارئًا ، ولم تدركني النوبة إلى العصر ) ، ويقول عمرر: ( ما أعطي عبد بعد الإسلام خيرًا من أخ صالح ، فإذا رأى أحدكم ودًا من أخيه فليتمسك به ) ، ويقول أ.د.خلدون الأحدب: ( وإذا نظرنا إلى أولئك الذين استفادوا من لحظات أعمارهم ، وكان من نتاجهم ما يعجب ويدهش ، نجدهم لا يصحبون إلا المجدين العاملين والنابهين الأذكياء ، الذين يحرصون على أوقاتهم حرصهم على حياتهم لأن الزمن هو الحياة ) .

9.نصيحة المخلصين: وقد يكون هذا الناصح الأمين أبًا شفيقًا ، أو أمًا رحيمة ، كقول أسماء ذات النطاقين توصي ابنها عبدالله بن الزبير: ( يابني إن الشاة لا يضرها السلخ بعد الذبح ، امضِ واستعن بالله ) ، وقد تكون زوجة وقد يكون رجلًا من العوام ، كالأعرابي حين قال للإمام أحمد: ( ياهذا ما عليك أن تقتل هنا وتدخل الجنة ) فقال الإمام أحمد: ( ما سمعت كلمة أقوى لي من كلمة الأعرابي )

* ملخصًا من كتاب علو الهمة للشيخ محمد إسماعيل المقدّم حفظه الله

ــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت