فكم فجع الإنسان في دينه ، حينما رأى نفسه تنحدر من سبيل التعليم إلى سبيل الغواية والانحلال ، وما ذاك إلا بسبب نظرة محرمة ، وإنها لتقع في قلبه كالسهم المسموم ، الذي يردي قلبه بعد الحياة ميتًا ، وبعد الهداية ضالًا ، فليحكّم الإنسان الشرع في أفعاله وتصرفاته ، ولا يكن مفتيًا لذاته ، حاكمًا بهواه ، { وما كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا } .
السبب الرابع عشر: الغفلة عن محاسبة النفس ، فترى أحدنا يسير في هذه الدنيا ولم يجعل على نفسه حسيبًا ، فتكثر عثراته ، وتتضاعف زلاته ، لا يعرف ما فعل ، ولا يدرك ماذا قال ، ولا يتراجع عن خطأ ، ولا ينشط لفعل طاعة ، كل تصرفاته مرتجلة ، لا يضع لنفسه أهدافًا ، ولا يسأل نفسه ماذا أنجز في يومه ، وكم قصّر في حق ربه ، وكم ضيّع من حقوق عباده ... .
فهل حاولنا أن نخلو بأنفسنا ساعة نحاسبها عما بدر منها من الأقوال والأفعال ؟ وهل حاولنا يومًا أن نعد سيئاتنا كما نعد حسناتنا ؟ بل هل تأملنا أن طاعتنا قد لا يخلو بعضها من الرياء والسمعة ، كيف القدوم على الله _يا عباد الله _ ونحن لأنفسنا غير محاسبين ، ولحساب الله غير مطيقين ، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (( حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوها قبل أن توزنوا ، فإن أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم ، وتزينوا للعرض الأكبر، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية ) ).
إن محاسبة النفس _ أيها الأحبة _ هي من شأن الصالحين الأتقياء ، المخبتين الأنقياء ، المنيبين الأصفياء ، الذين لبوا نداء الرحمن حينما قال: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } .
ألم تروا إلى الصديق رضي الله عنه كيف كان يمسك بلسانه ويقول: ( هذا الذي أوردني الموارد ) ، ألم تسمعوا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يضرب نفسه بدرته فيقول: ماذا فعلت اليوم ؟ وأن الأحنف بن قيس رضي الله عنه كان يضع إصبعه على السراج فيقول: لماذا فعلت كذا وكذا يا حنيف ؟
إنا لنفرح بالأيام نقطعها *** وكل يوم مضى يدني من الأجل
فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهدًا *** فإنما الربح والخسران في العمل
قال ميمون بن مهران: ( لا يكون العبد تقيًّا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه ، ولهذا قيل:( النفس كالشريك الخوان ، إن لم تحاسبه ذهب بمالك ) .
أخي الحبيب: إن محاسبة النفس في الدنيا ، كفيلة أن تريحك من عناء الحساب في الآخرة ، فإن من نوقش الحساب فقد عذب ، أما يكفيك بذلك أن تتعرف على أخطاء نفسك فتصلحها ، أما يحثك هذا على الندم على اقتراف الذنب ، والإقلاع عن المعصية ، أما تشعرك مساءلة نفسك بعفو الله وحلمه عليك أن لم يعجل عقوبته بك ، أو يقبضك على ما أنت عليه من المعصية ، أما تعطيك مراجعتك أعمالك دفعة قوية للاجتهاد في العبادة وفتح صفحة جديدة ناصعة البياض ، هدفك فيها أن تملأها بالطاعة والإحسان ؟
يقول الحسن البصري: ( إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه ، وكانت المحاسبة همته ) .
علاج الفتور
إذا كنا قد عرفنا جملة من أسباب الفتور في العبادة ، ووضعنا أيدينا على الداء ، فقد جاء دور الكلام على الدواء .
إن الدواء الناجع لداء الفتور هو بإيجاز قطع كل الأسباب التي سبق ذكرها ، التي من شأنها أن توقع المسلم في خنادق الفتور ، ومهاوي التقصير ، ليسلك بدلها وسائل الثبات ، وطرق الالتزام بالهداية ، فيعظم العبد ربه في قلبه ، ويطبع هذا التعظيم على أقواله وأفعاله واعتقاده ، ويتّبع سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - بلا زيادة أو نقصان ، ويضع الموت والنار والجنة نصب عينيه ، يرجو رحمة ربه ، ويخاف عذابه ، معظمًا في ذلك شعائر الله ، فإن ذلك من تقوى القلوب ، متعاهدًا لنفسه بالمحاسبة ، وبالرفقة الصالحة ، وبالوعظ والتذكير ، مبتعدًا عن طرق الهوى والفتنة بشتى وسائلها ، مرددًا دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك ) (34) .
أسأل الله سبحانه أن يحبب إلى إلينا الإيمان ويزينه في قلوبنا ويكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان ويجعلنا من الراشدين .
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ، وأدخلنا الجنة مع الأبرار ، برحمتك يا عزيز يا غفار .
وصلى وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأجمعين .
لإبداء النقد البنَّاء اتصل على جوال: 054930209
والبريد الإكتروني[email protected]
(1) انظر: لسان العرب ، ( فتر ) ، 10/174.
(2) رواه الترمذي ، وابن ماجه ، والدارمي ، وإسناده حسن ، ورواه الحاكم وصححه .
(3) رواه مسلم .
(4) رواه أحمد وهو صحيح .
(5) رواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة ، وإسناده صحيح .
(6) رواه مسلم .
(7) رواه الحاكم وهو صحيح .
(8) رواه أبو نعيم .
(9) رواه مسلم .
(10) رواه مسلم .
(11) رواه مسلم .
(12) رواه البخاري .
(13) ذكره البخاري في صحيحه .
(14) رواه البخاري .
(15) رواه أبو نعيم .
(16) حلية الأولياء 8/86 .
(17) رواه أحمد وابن ماجه وغيرهما وهو صحيح لغيره .
(18) رواه البخاري .
(19) ذكره البخاري في صحيحه .
(20) رواه البخاري .
(21) رواه البخاري ومسلم .
(22) رواه مسلم .
(23) رواه البخاري .
(24) رواه البخاري ومسلم .
(25) فتح الباري 1/46.
(26) الاعتصام 1/222 .
(27) رواه البخاري .
(28) رواه البخاري .
(29) إغاثة اللهفان 2/139 .
(30) رواه البخاري .
(31) رواه الترمذي ، وقال: حديث حسن صحيح .
(32) رواه الإمام أحمد ، وهو صحيح .
(33) رواه أبو نعيم .
(34) رواه مسلم .
-ــــــــــــــــــ