ويؤكد ابن خلدون في مقدمته أنّ الخلافة لم توجد على الحقيقة إلا في زمن قصير جدًا. فهو بعد أن يستعرض الظروف السياسية منذ عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى عصره يقول:"فقد تبين لك كيف انقلبت الخلافة إلى الملك، وأن الأمر كان في أوله خلافة، ووازع كل أحد فيها من نفسه وهو الدين، وكانوا يؤثرونه على أمور دنياهم وإن أفضت إلى هلاكهم وحدهم دون الكافة" [1] ، ثم يضيف:"فقد رأيت كيف صار الأمر إلى الملك، وبقيت معاني الخلافة من تحري الدين ومذاهبه والجري على منهاج الحق، ولم يظهر التغير إلا في الوازع الذي كان دينًا، ثم انقلبت عصبية وسيفًا، وهكذا كان الأمر لعهد معاوية ومروان وابنه عبد الملك، والصدر الأول من خلفاء بني العباس، إلى الرشيد وبعض ولده. ثم ذهبت معاني الخلافة ولم يبق إلا اسمها، وصار الأمر ملكًا بحتًا، وجرت طبيعة التغلب إلى غايتها، واستعملت في أغراضها من القهر والتقلب في الشهوات والملاذ. وهكذا كان الأمر لولد عبد الملك، ولمن جاء بعد الرشيد من بني العباس، واسم الخلافة باقيًا فيهم لبقاء عصبية العرب. والخلافة والملك في الطورين ملتبس بعضهما ببعض، ثم ذهب رسم الخلافة وأثرها بذهاب عصبية العرب وفناء جيلهم وتلاشي أحوالهم، وبقي الأمر مُلْكًا بحتًا كما كان الشأن في ملوك العجم بالمشرق، يدينون بطاعة الخليفة تبركًا، والمُلْكُ بجميع ألقابه ومناحيه لهم، وليس للخليفة منه شيء" [2] .
(1) ابن خلدون، المقدمة، ص / 185.
(2) المصدر السابق، ص / 186