إنّ العلاقة بين السلطة والمثقف تعود في أصولها إلى المصطلحين السابقين، كما أن أصول هذين المصطلحين تعود إلى أسس دينية واجتماعية وسياسية. فالعلاقة بين السلطة والمثقف في الحضارة العربية الإسلامية تعود في جذورها إلى العقيدة الإسلامية نفسها، لأن الإنسان في هذه العقيدة لا سلطة له على أخيه الإنسان إلا بدليل أو برهان، فالجميع يولدون من أصل واحد، وهم أحرار ومتساوون أمام الله، لا يفرق بينهم إلا درجة التقى التي يبلغها كل منهم. والله وحده هو القادر، والصلة بينه وبين الإنسان صلة بين العابد والمعبود، وليس بينهما واسطة، وما على الإنسان أن يخضع إلا لحكم الله. وعلى هذا فمصدر السلطة الأساسي التي على المسلم أن يخضع لها هو الله. ولكن الله وتعاليمه لم يعرفا بشكل دقيق إلا عن طريق الرسل والأنبياء، فهم بذلك ممثلو تلك السلطة على الأرض. ولما كان النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - آخر الأنبياء، فهو آخر ممثلي تلك السلطة على الأرض.
1 -الأوضاع السياسية
يقول الأشعري في مقدمة كتابه (مقالات الإسلاميين) :"أول ما حدث من الاختلاف بين المسلمين، بعد نبيهم - صلى الله عليه وسلم - ، اختلافهم في الإمامة" [1] . وبحسب هذا القول فإن أولى القضايا التي شغلت الفكر العربي - الإسلامي هي قضية الإمامة. وهي قضية سياسية ذات أصول دينية، نشأت وتطورت في ظروف اجتماعية واقتصادية وتاريخية كثيرة ومعقدة. وتأتي أهمية هذه القضية من كونها تدخلت إلى حد كبير في تشكيل البنية الأساسية لتاريخ الأمة العربية - الإسلامية، كما أنها لا تزال تلقي بآثارها على حاضر هذه الأمة.
سوف نعرض فيما يلي لتلك الظروف، ثم ندرس العلاقة بين السلطتين اللتين شكلتا الفكر السياسي: السلطة السياسية والسلطة الثقافية.
(1) الأشعري، أبو الحسن، (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين) ، تحقيق هلموت ريتر - فيسبادن 1963، ص/ 2