لقد كان العرب المسلمون في فترة صدر الإسلام منشغلين بالدفاع عن أركان الإسلام، وبتوطيد دعائم دولته. ولا شك في أن وجود الرسول - صلى الله عليه وسلم - بينهم كان عاملًا أساسيًا في تماسك الجماعة الإسلامية، التي ما لبثت أن تعرضت وحدتها وبقاؤها نفسه للخطر، بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - مباشرة. ولقد كان هذا الخطر ذا مصدرين: داخلي وخارجي. أما مسبباته فقد كانت العصبية القبلية في المكان الأول والطموحات السياسية في الدرجة الثانية. وقد كان العرب حديثي العهد بالإسلام، وما زالت قيم الجاهلية تحتفظ بتأثير قوي في سلوك الكثيرين منهم، يختلف باختلاف قدرة الشخص على تمثل الدين الجديد.
وأول ظهور للخطر الداخلي كان عقب وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - مباشرة. فقد كان الأمر ملحًا في اختيار خليفة له، إلى درجة أن الاختلاف في هذه القضية بدأ قبل أن يوارى جسد الرسول - صلى الله عليه وسلم - في مثواه الأخير. فقد ظهر الخلاف بين المهاجرين والأنصار، فكان كل فريق منهم يرى أنه أولى بخلافة الرسول - صلى الله عليه وسلم - . واحتدم الأمر إلى درجة أنّ أحد الأنصار تقدّم باقتراح تمثل في عبارته المشهورة:"منّا أمير ومنكم أمير" [1] . ومن الواضح أن استخدام كلمة"أمير"يوحي بالدلالة السلطوية الزمنية التي كانت تملكها هذه الكلمة لدى العرب قبل الإسلام. فهو لم يستخدم كلمة"خليفة"التي تحمل معنى دينيًا إلى جانب الدلالة الزمنية.
(1) هذا القول لحباب بن المنذر. انظر (التمهيد) للباقلاني - دار الفكر العربي - القاهرة 1947 ، ص/ 87