يرى الثابت الأول أن مهمة السلطة السياسية في جوهرها هي الدفاع عن المجتمع ضد نقاط ضعفه الذاتية، ومساعدته في تحقيق نقاط قوته الداخلية، والحفاظ على استقراره وتطبيق قواعد جديدة تهيئه لتغيرات تتناسب مع تطور الحياة في علاقاتها المتعددة، الداخلية والخارجية، ولا تتعارض مع مبادئه الجوهرية وثوابته التاريخية والفكرية. أما الثابت الثاني فيقرر وجود نظامين في الواقع الإنساني الحضاري: الأول هو النظام الكوني والثاني هو النظام الإنساني. ويقصد بالنظام الكوني موقف المجتمع أو الحضارة المعنية من المفاهيم الثلاثة: الله، والإنسان، والكون، وتصورها لهذه المفاهيم. وهو تصور يقوم على تغليب واحد من هذه المفاهيم على الآخرَين، فتكون الحضارة مصبوغة بصبغة هذا المفهوم الغالب. وهو نظام يشكل أسّ النظام الثاني الإنساني الذي يقصد به آلية العلاقة بين الفرد والفرد، أو بينه وبين المجتمع والسلطة، أو بين المجتمع والسلطة عامة. وهي آلية تتبدى في السلوك اليومي، وفي المواقف العامة، وتنعكس في كل مظاهر الحياة الإنسانية وأشكالها. والنظام الإنساني يقوم في آليته على النظام الكوني الذي يصوغ هذه الآلية، ويشكل مرجعية لها في حركتها اليومية، ويفسرها، ويقيّمها. وبذلك فإن تصور حضارة ما للنظام الكوني ينعكس في تصورها لطبيعة العلاقة بين الإنسان والإنسان في هذه الحضارة وبين الإنسان والكون والله. فالعلاقة بين النظامين جوهرية وجدلية، إذ يؤثر كل منهما في الآخر، ويعيد تفسيره وتطويره، وإن كان النظام الكوني يشكل ثابتًا عامًا على حين أن النظام الإنساني يُعد متحولًا في إطار الثابت.