فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 166

وثمة علاقة جوهرية بين الثابت الأول والثاني إذ إن مهمة السلطة السياسية التي يقررها الثابت الأول لا بد لها من مرجعية تقرر إذا ما كانت هذه المهمة سليمة أم لا، والثابت الثاني هو هذه المرجعية التي تدور مهمة السلطة في إطارها وبسببها، وكل خروج عن هذه المرجعية يشكل نكوصًا عن مهمة السلطة الجوهرية المقررة، سواء أكان هذا في الحفاظ على استقرار المجتمع أم في العمل على تطويره وفق قواعد تتناسب مع ظروفه وتاريخه، وهو نكوص سيؤدي بالضرورة إلى حدوث شرخ في العلاقات الاجتماعية الداخلية بين المجتمع والسلطة، أو بين الفرد والمجتمع، أو في العلاقات التاريخية الثقافية، وهو ما ينتج عنه انفصام في الذات، وضبابية في الهوية عند الفرد والمجتمع على السواء. ولما كان النظام الكوني تابع في وجوده للمفكرين والفلاسفة ورجال الدين في حضارة ما، إذ إنهم يصوغونه، ويفسرونه، ويطوِّرون صورته أو يعدِّلونها، فإن هؤلاء بالضرورة، من خلال العلاقة بين الثابتين، هم المسؤولون عن النظام الإنساني وتطوراته الداخلية، لأنهم وحدهم القادرون على إبراز العلاقة بين النظامين. وإذا كان ذلك كذلك فإن هؤلاء أيضًا هم المسؤولون عن مراقبة مهمة السلطة السياسية التي ذكرناها من قبل، وهم الذين يقررون فيما إذا كانت هذه السلطة موفقة في مهمتها، أم أنها على العكس فاشلة؛ تجرد المجتمع من نقاط قوته الذاتية بدلًا من أن تدافع عنه ضد نقاط ضعفه الداخلية، وذلك من خلال تطبيق قواعد اجتماعية جديدة، بدعوى الإصلاح والتقدم، تقود إلى الصدام مع مبادئه الجوهرية، وتؤدي إلى الانفصام بين السلطة السياسية والمجتمع، وتبعد هذه السلطة عن مهمتها الأساسية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت