إن العلاقة التي تقوم بين ممثلي السلطة السياسية وممثلي السلطة الثقافية هي علاقة في غاية التعقيد. يتدخّل في صياغتها عدد كبير جدًا من العوامل الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والثقافية، والنفسية. وهذا ما يجعل منها علاقة لا يمكن تحديدها بشكل نهائي، وإنما يمكن الحديث عنها في جانب من جوانبها فقط، وفي ظروف معينة. فنحن أمام قضية من القضايا التي لا يمكن البتّ فيها على الإطلاق، بل يبقى الحوار فيها مفتوحًا.
من زمن الأزتك والمايا في أمريكا الجنوبية إلى الفراعنة في مصر والآكاديين في العراق، إلى زمن الإغريق في اليونان والأوربيين في العصور الوسطى، إلى العرب المسلمين في حضارتهم، وممثلو الدين يحتلون مكانةً رفيعةً في الترتيب الهرمي للمجتمع، يتحكمون منها في كل ما يجري من أمور، ويسيّرون السلطة السياسية بطرق شتى تختلف نسبيًا باختلاف الزمان والمكان.
إن مراقبة التاريخ الإنساني تمكننا من صياغة الملاحظة العامة التالية: في الحضارات التي كان فيها الحاكم إلهًا كان دور رجال الدين يقتصر على كونهم موظفين يتولون رعاية الأمور الدينية، أما في الحضارات التي فصلت بين الدين والدولة فقد كان رجال الدين يحتلون المكانة الرفيعة باعتبارهم يمثلون السلطة الدينية.
هذا ما نراه على سبيل المثال عند الفراعنة، فقد كان يُعتقد لديهم أن الفرعون من أصل إلهي، وله وحده حق رئاسة الطقوس الدينية، ولهذا فإن الكهنة لم تكن لهم سلطات واسعة، وإنما هم موظفون في خدمة نظام يترأسه الفرعون الإله. أما عند الإغريق فقد كان الدين مفصولًا عن الدولة، وهذا ما أعطى الكهنة سلطات واسعة تسيطر على المجتمع وتتحكم فيه.
وقد حاول أفلاطون في كتابه الجمهورية الجمع بين السلطتين الثقافية والسياسية، عندما دعا إلى أن يكون الفلاسفة حكام الدولة المثلى، ورأى أن هؤلاء الحكام هم طبقة متعلمة تعليمًا عاليًا ووافيًا.