لقد أفلح نابليون في وصيته لخليفته كليبر، واستطاع بنصيحته تلك أن يعلّ كل المستعمرين الغربيين كيف يكون بإمكانهم اختراق المجتمعات العربية، وإعدام هويتها كشرط أساسي في إمكانية السيطرة عليها، لقد تعلّم الغرب من نابليون، وعرف أنه كان محقًا، فقد علّمهم التاريخ أن بقاءهم في فلسطين مدة مئتي عام لم يمنع العرب من إخراجهم في نهاية الأمر، وأدركوا أن السبب في تمكن العرب المسلمين آنذاك من ذلك الأمر هو في احتفاظهم بهويتهم العربية والإسلامية، وفهموا مع نابليون أن أي بقاء للغرب وربيبته إسرائيل في المنطقة العربية لن يكون ممكنًا مهما طال الزمان مادامت الهوية العربية سليمة، يعرفها أصحابها فيعرفون من هم، ومالهم وما عليهم، ومن هم أصدقاؤهم، وعرفوا أيضًا أن تلك الهوية إنما تتمثل في الثقافة العربية العالمة وغير العالمة، فهما معًا الهوية العربية، وهما معًا المجتمع العربي في تاريخه وواقعه ومستقبله، وأدركوا أنّ عليهم أن يُفْقِدوا العربي والأمة من ورائه هويته فدَجَّنوا الثقافة العالمة، وهم الآن في سعي حثيث لزعزعة الثقافة غير العالمة، فلا يبقى للعرب وجود، وكيف يمكن لإنسان لا ذاكرة له أن يكون له وجود، ووجوده إنما هو الماضي والحاضر والمستقبل، فلا حاضر لمن لا ماضي له، ولا مستقبل لمن لا حاضر له.
لقد مضى مايقرب من قرن ونصف على بداية النهضة العربية، ونعتقد أن الأوان قد آن لطرح مسألة"النهضة"هذه في ميزان التقويم، فنعرف مالها وما عليها. إننا بعد أكثر من قرن على بداية"النهضة"وعصر"التنوير"العربي ننظر إلى ما نحن فيه فنرى أننا في كل مواقفنا لا ننطلق من فعل واعٍ منظم ينطلق من معرفة بالأنا، وبالأهداف التي تحدد معنى الأنا، وإنما ننطلق في مواقفنا غالبًا من ردود فعل على ما يصدر من الغرب تجاهنا.
ثالثًا - تحديد الأسس والمفاهيم