ولعل الضرر الوحيد الذي يمكن رصده في هذا المجال هو استبعاد الثقافة العربية التاريخية من توجيه الثقافة العالمة المسيطرة والثقافة غير العالمة، وقد رأينا أن العلاقة بين الثقافة العالمة وغير العالمة في مجتمع ما علاقة جدلية، وعندما تضطرب هذه العلاقة فإن الخلل سوف يحدث داخل الثقافة غير العالمة، إذ تفقد مرجعيتها التاريخية التي تشكل مقياسًا وموجهًا ومقومًا وداعمًا لها في وجودها اليومي الذي يتعرض باستمرار إلى هجوم الثقافة العالمة المعاصرة ذات المصدر الغربي.
إذا كان ثمة خطر حقيقي يهدد الهوية الثقافية العربية اليوم، فإن هذا الخطر لم يعد موجهًا إلى الثقافة العالمة العربية المعاصرة، فهي في واقعها غربية وتغريبية لا أصالة لها، ولم تستطع أن تتأصل في المجتمع العربي المعاصر، وهي لا تشكل هويته الحقيقية، وإنما تلك الهوية المزيفة التي نجد أن بعض أصحابها من المثقفين المعاصرين إما أن يتوبوا في أواخر حياتهم ويعودوا إلى اكتشاف هويتهم الأصيلة، وإما أن يتمادوا في العمالة للغرب فينتقلون للعيش في أحضانه وتحت رعايته وكنفه، فيساعدهم ويقدمهم على أنهم ممثلوا الثقافة العربية المعاصرة، ويمنحهم الجوائز إمعانًا منه في تأكيد انسلاخهم، ولعل في ذلك الدليل على أن هؤلاء المثقفين ما كانوا يومًا يمثلون مجتمعاتهم.