لقد فقد معظم المثقفين العرب منذ بداية هذا القرن وشيئًا فشيئًا هويتهم الأصيلة من خلال ما حصل فيهم من انفصام في تلك الهوية، وأصبح أغلب هؤلاء دعاة التغريب في الفكر، وأبواقًا تسيطر عليها السلطات الحاكمة في علاقات جدلية من المصالح المتبادلة.
إنّ وصفنا لواقع الثقافة العربية اليوم لا يعني زوال الثقافة العالمة العربية، وإنما يعني انحسارها وتجميدها، واتهام أصحابها وممثليها بالرجعية تارة وبالتخلف تارة أخرى وبعداء التقدم والتطور تارة ثالثة، إلى آخر ما هنالك من اتهامات ما كانت حيادية في أغلب الأحيان، وإنما مقدمات لإجراءات تعسفية كانت تتخذ بحقهم.
ولعل خطورة ما تعرضت له الهوية الثقافية العربية خلال كل ما تقدم، لم يكن بالشأن الخطير إذا ما قصرنا أثره على الثقافة العالمة التي كانت بعيدة عن جمهور الناس في المجتمع، تعيش في مواقع خاصة تنأى بنفسها عن المجتمع بحجة أن المجتمع متخلف، وأنه يجب تغييره وتقويمه من خلال فرض الثقافة الغربية عليه، فقد كان المجتمع عامة أو ما نسميه بالثقافة غير العالمة يرفض تلك الثقافة الغربية ويتهمها لأنها ليست منه ولا تتفق مع نظرته العامة إلى الإنسان والكون والله، وظلت الثقافة العالمة العربية الإسلامية بخير على رفوف المكتبات وفي المخطوطات التي لم تنشر إلى الآن، وإن كانت في جزء منها تعرضت للتشويه على أيدي بعض المثقفين المستغربين عندما نظروا فيها من خلال مناهج غربية تخرجها من أطرها المعرفية التاريخية في محاولة لإبرازها في صورة مشوهة تسوّغ دعواهم بأنهم السبب في تخلف الأمة.