فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 166

لقد بدأت حركة التغريب هذه وما زلنا إلى اليوم نشاهد بقاياها في أرجاء الوطن العربي، وإن كانت بدأت تعمل في الخفاء وتحت شعارات مختلفة مثل البحث عن الهوية أو إعادة التفكير في شروط النهضة، أو أيضًا في الكلام على خطر التطبيع مع إسرائيل، أو أيضًا في الحديث عن العولمة، وكأن أصحابها لا يدركون أن أول من بدأ بالعولمة هم المثقفون أنفسهم عندما حاربوا الثقافة العربية حافظة الهوية العربية، ودعوا إلى الثقافة الغربية وهو ما أدى في نتائجه التي نرى آثارها اليوم إلى تراجع الثقافة العالمة العربية ذات الأصول التاريخية وانحسارها لتحلّ محلها ثقافة عالمة مستوردة من مصادر متعددة، وأصبح ممثلوا هذه الثقافة غربيين في ثقافتهم وفي طريقتهم في التفكير ومعالجة قضايا مجتمعهم وأمتهم، ولكنهم في نشأتهم الاجتماعية ينتمون إلى الثقافة غير العالمة التي رُبّوا فيها ونشؤوا عليها فتشربتها روحهم وعلقت بعقولهم، وهذا ما أدى، نتيجة عيشهم اللاوعي لتلك الثقافة وتفكيرهم من خلال الثقافة العالمة الغربية التي تلقوها وتبنوها عن وعي وإرادة، أو عن غير وعي وإرادة، إلى حصول شرخ في ذواتهم وتمزق بين الثقافة العالمة التي عاشوها في طفولتهم وشبابهم، وبين الثقافة العالمة الغربية التي بُهروا بها وتبنوها واتخذوا منها مرجعًا ومقياسًا يحتكمون إليه في معاملة ثقافتهم غير العالمة ونقدها ومهاجمة ما رُبّوا عليه ونشؤوا فيه، فأصبحوا كالغراب الذي أراد أن يقلد القبرة في مشيتها بعدما أعجب بها فلم يفلح، فلما أراد أن يستعيد مشيته لم يتمكن من ذلك، فأصبحوا لا شرقيين يرضى عنهم أهلهم، ولا غربيين يرضى عنهم الغرب، بل يرى فيهم مقلدين فاشلين وجواسيس غير معلنين، كما يقول إدوارد سعيد في كتابه"الاستشراق".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت