ويمكننا من خلال مراقبة التاريخ الحديث للأمة العربية أن نرى أن هذه التيارات استمرت في الوجود في ظل الاستعمار الأوروبي للوطن العربي على الرغم من أن حكومات الانتداب كانت تشجع التيار الثاني، إلا أن ما يلفت الأنظار بعد خروج الاستعمار من البلاد العربية أنه سلّم السلطة في أغلب البلاد التي خرج منها إلى ممثلي هذا التيار، ومن ذلك الحين إلى اليوم ما زلنا نشهد صراعًا بين ذلك التيار وبين التيار الأول، كان المنتصر فيه هو التيار الثاني لأنه كان مدعومًا من الحكومات التي كانت هي أيضًا مدعومة في الغالب من قبل دول غربية، كان الصراع فيما بينها يترك أثرًا كبيرًا في تغيير الوجوه والأسماء والألقاب والشعارات التي كانت تحاول كلها إضفاء صفة الشرعية على أنظمتها تحت شعارات مختلفة من أبرزها قضية الصراع ضد إسرائيل إلا أن كل تلك الحكومات ومن غير استثناء كانت تدعم ذلك التيار لأسباب أهمها أنها حصلت على دعم الغرب وتأييده ليس لأنها تدعم ذلك التيار فقط بل لأنها أيضًا تحارب التيار الأول الذي اضطر تحت تلك الظروف إلى اللجوء، في بعض الأحيان وأمام مصادرة حريته بالحركة، إلى العنف، وهو ما كانت تلك الحكومات تريده بالضبط لتسوغ سلوكها.
في خلال ذلك كانت الثقافة العربية الإسلامية ذاكرة الأمة وتاريخها هي المستهدفة في كل ذلك. فقد كان أغلب المثقفين من أبناء الأمة العربية قد تعلموا في المدارس التبشيرية، وأكملوا علومهم في جامعات الغرب ومعاهده، ولم يكونوا على معرفة بشيء مهم من ثقافة المجتمع الذي ينتمون إليه أو الحضارة التي ينتسبون إليها سواء أكانت الثقافة العالمة أم غير العالمة، وقد قام هؤلاء عند عودتهم إلى بلادهم واستلامهم المراكز المحورية في تقرير الثقافة والسيطرة عليها بالدعوة إلى الثقافة الغربية والتبشير بها والتشجيع على نشرها ومباركة من يقوم بهذا ومحاربة كل من يحاول الاعتراض أو الرفض.