5-لا فرق بين الهوية الذاتية والثقافة على مستوى الفرد، كما أنه لا فرق بين هوية المجتمع أو الأمة أو الحضارة وثقافتها. فالثقافة كما رأينا هي التي تحدد معنى الوجود الإنساني، وتعطي الإنسان شعوره بالوجود والانتماء إلى مجتمعه وحضارته. وإذا تذكرنا علاقة الثقافة بالذاكرة وعلاقة الذاكرة بالتاريخ، فإننا نستنتج أن هوية الفرد العربي اليوم محددة بثقافته المعاصرة التي هي امتداد للثقافة التاريخية ذاكرة الأمة بمستوييها: العالمة وغير العالمة. فما واقع تلك الهوية من خلال ارتباطها بهاتين الثقافتين؟
لن يكون صعبًا أن نرى ما حال الهوية العربية اليوم، فذلك يبدو واضحًا في ما تعانيه الأمة من جمود أو تدهور أو تراجع في مجالات السياسة والاقتصاد والحياة الثقافية والاجتماعية، ولا يمكن أن نفسر هذا الوضع إلا بالنظر في حال الإنسان العربي إن على مستوى الفرد أو على مستوى الجماعة، فالإنسان هو مصدر الحياة وهو هدفها، وعندما يكون الواقع سيئًا فهذا يعني أن الإنسان في وضع سيء، ففاقد الشيء لا يعطيه، والإنسان الذي لا يعرف من هو لا يمكنه أن يبدع على الإطلاق. والإنسان العربي تُمارس عليه ضغوط متعددة الأطراف والأبعاد لا لينسى من هو فقط وإنما لينشغل بطعامه وشرابه وأمنه الفردي، وهو ما يُنسيه الشرط الأول للوجود والإبداع: الحرية، إلا أنه من الطبيعي أن البحث في أسباب هذا الواقع لن يكون مجديًا إذا ما تناول البحث الواقع مباشرة، فما هذا الواقع إلا نتاج العقود الماضية بل القرون الماضية التي عاشها الإنسان العربي، وبخاصة منذ نهاية القرن الماضي إلى الآن. ولذلك فقد رأينا أن نعود إلى بدايات الأمور لنرى كيف كان حال الهوية العربية من خلال الثقافة وما آلت إليه اليوم، وما المراحل التي مرّت بها، وما الأسباب التي تقف وراء كل ذلك.