من خلال ما تقدم يمكن تقديم التعريف التالي للثقافة: الثقافة هي مجموع المعطيات التي تميل إلى الظهور بشكل منظم فيما بينها مشكّلة مجموعة من الأنساق المعرفية الاجتماعية المتعددة التي تنظم حياة الأفراد ضمن جماعة تشترك فيما بينها في الزمان والمكان. فالثقافة ما هي إلا التمثيل الفكري للمجتمع والذي ينطلق منه العقل الإنساني في تطوير عمله وخلق إبداعاته، فهي بهذا المعنى تختلط بالمجتمع فلا يمكن التفريق بينهما إلا في مستوى التمثيل، فهي بالتالي تحدّد هوية المجتمع في كافة أبعاده المادية والمعنوية.
ولما كان الفرد يعيش في إطار الجماعة، ويدخل معها في علاقة جدلية من حيث الوجود فإن هوية الفرد إنما هي جزء من هوية المجتمع. إن بناء شخصية الفرد في إطار مجتمع ما مرتبط ارتباطًا جذريًا بالسمات الثقافية الخاصة بهذا المجتمع، ونقصد بالسمات الثقافية نظام القيم الأساسية التي تسود في المجتمع، وتحكم طبيعة العلاقات التي فيه بين المفاهيم التالية: الله والكون والمجتمع، وعلى هذا فإن لكل نظام اجتماعي ثقافي شخصية أساسية نموذجية كما يقول المعجم النقدي للعلوم الاجتماعية [1] . ويضيف هذا المعجم قائلًا: إن كلّ مجتمع لديه ميل إلى بناء نظام ثقافي عام خاص به، حتى إن مجتمعات تعيش في مستوى واحد من حيث التقدم الاقتصادي والتقني يمكن أن تختلف فيما بينها في النظر إلى أمر واحد من جهة أنها تراه مختلفًا أساسًا من وجهة النظر الثقافية. ويقدم مثالًا على ذلك مقارنة بين النرويج وإيطاليا، فيرى أن مسافرًا يعطي حمّالًا ورقة نقدية يطلب منه صرفها بقطع نقدية سوف يرى الحمّال عائدًا بهذه القطع في النرويج، على حين أنه في الأغلب لن يراه أبدًا في إيطاليا.