في هذه البلاد لا توجد دراسات حول هذا الموضوع، وما وجد منها، على قلته، خاضع لتأثيرات ثقافية أجنبية، لا تنطلق من الواقع الثقافي الاجتماعي التاريخي في تلك البلاد. ونعتقد أن المشكلة القائمة في هذه البلاد بين السلطة السياسية والسلطة الثقافية في أصل كل المشاكل التي يعانيها الوطن العربي، وهي مشاكل متنوعة تشمل كل المجالات: الاقتصادية والعلمية والتربوية والاجتماعية والتنموية والثقافية والسياسية.
إن الطرح السابق يعني أننا نعتقد بأن الدين هو الذي يقف في أساس العلاقة بين السلطتين السياسية والثقافية على اختلاف مصدر الدين، وهو اعتقاد يؤدي إلى إثارة مشكلة هي في اعتقادنا جوهر القضية برمتها: ما مصدر السلطة؟ .. فمَنْ أو ما الذي يعطي إنسانًا ما سلطة ما على أخيه الإنسان؟ ونحن نعتقد في هذا المجال أن أسّ القضية يقوم على أن لا سلطة لإنسان على آخر إلا بدليل يمكنه من ذلك. وأن مراقبة تاريخ البشرية على اختلاف الزمان والمكان يبين لنا أن هذا الدليل كان دينيًا في بداياته عند كل المجتمعات [1] . ففي بدايات التاريخ نجد أن السلطة السياسية كانت مقدسة، ويلفها الغموض، وهو ما كان يعطيها فعلًا سحريًا وأثرًا عميقًا في نفوس رعاياها. وبذلك نرى أن المقدس هو أحد الأبعاد المختلفة للنشاط السياسي، فالدين يمكن أن يكون أداة سلطة تحقق من خلاله شرعيتها واستقرارها، وتستخدمه في نزاعاتها السياسية مع خصومها، وتكرس كل أنواع العبادات والطقوس بما في ذلك الخرافات، في سبيل تثبيت شرعيتها، وضمان استمرار وجودها.
ثانيًا - الهوية والثقافة