وعلى الرغم من أهمية هذه المسألة فإن الدراسات المخصصة لها قليلة. وهي إنما تعود إلى العلوم الإنسانية الحديثة التي أسسها الغرب الأوربي في القرن التاسع عشر، وبدأت تعطي ثمارها في القرن العشرين، وفي مقدمتها علم الأنثروبولوجيا الثقافية وعلم السياسة. أما قبل ذلك التاريخ فكان الأمر يقتصر على ملاحظات عامة أو صفحات في كتاب، ذات منحى نظري يكرس ما يجب أن تكون عليه العلاقة بين الحاكم والمحكوم عامة ومن وجهة نظر مثالية في الغالب، ولا ينطلق من مراقبة الواقع كما هو عليه.
وفي المجتمعات المعاصرة نجد أن المسألة قد حسمت في الغرب الأوربي والولايات المتحدة الأميركية وبعض دول العالم الأخرى، إذ أصبح الاهتمام موجهًا إلى آلية انتقال السلطة وممارستها من خلال مؤسسات سياسية وثقافية. وما عدنا نسمع عن السلطة الثقافية باعتبارها جهة تشريعية، أو تهب الشرعية للسلطة السياسية أو توطد وجودها. فقد استطاع النقد الفلسفي - الاجتماعي المعاصر والواقع العملي أن يُسقطا من الفكر السياسي مفاهيم الحق الإلهي في الحكم أو السلطة المطلقة عند الغربيين ووَحَّدا بذلك بين السلطتين بحسب معايير خاصة بكل مجتمع من المجتمعات الغربية. أما في باقي دول العالم فإن الأمر مختلف من بلد إلى آخر، ونعتقد أنّ بإمكاننا تقسيم تلك الدول إلى نوعين: الأول سادت فيه أنظمة علمانية وسكانه لا مرجعية دينية سماوية لهم، أو مرجعيتهم سماوية إلا أنها لا تبين لهم أمر السلطة السياسية، والثاني سادت فيه أنظمة علمانية أو ليست كذلك، ولسكانه مرجعية دينية سماوية تحدد لهم طبيعة العلاقة بين السلطتين السياسية والثقافية، ونقصد بذلك البلاد التي تدين بالإسلام، وخاصة الوطن العربي.