ولكن التاريخ الإنساني يبيّن أن أصحابَ السلطة غيرُ متفرغين لامتلاك هذا النوع من المعارف، وهم غالبًا ليسوا، قبل استلامهم السلطة، ممن يملكون المعرفة التي تمكن صاحبها من اكتساب الاحترام والإجلال في الوسط الاجتماعي، وتجعله يهيمن على أفراده، فيسمعون رأيه، ويحتكمون إليه عند الحاجة، ويسلمون بما يصدر عنه، فهم بحاجة إليه لأنه يشكل مرجعًا، حياتيًا ويوميًا وعمليًا لكافة أشكال العلاقات الإنسانية والاجتماعية والدينية والتاريخية والقضائية والمالية والروحية، يجدون لديه ردودًا على كل احتياجاتهم وتساؤلاتهم، وحلولًا لكل مشكلاتهم، ولذلك فإن أصحاب السلطة السياسية بحاجة إلى هؤلاء. وهذا يعني افتراض أن السلطتين في الأصل كانتا مجتمعتين لضرورة كل واحدة منهما للأخرى. ولكن ظروفًا مختلفة أدت إلى الفصل بينهما، وهو افتراض يحتاج إلى دراسة وتحقيق ليس هنا مكانهما.
وكما تتعدد أشكال السلطة السياسية وتختلف، فإن من يملكون المعرفة تتعدد أشكالهم المعرفية وتختلف، وهؤلاء تتنوع مواقفهم من السلطة من استجابة، ورفض، وحيادية، فالعلاقة بين الطرفين علاقة جدلية قائمة على مصلحة، ولذلك فهي تقوم على الصراع والمعارضة غالبًا، وعلى الاتفاق في بعض الأحيان عند فئة من ممثلي المعرفة.
إنّ ما تقدم يمتدّ عبر التاريخ الإنساني برمّته، ويعود إلى المجتمعات البشرية الأولى، وهو موجود في كل فترات التاريخ ولدى مختلف أشكال الحضارات، ولذلك فإن الكلام عليه معقد وشائك للغاية، بسبب تنوع أشكال السلطة السياسية، وتعدد تفسيرات مصادرها، بالإضافة إلى تعدد أنواع المعارف واختلافها، وطبيعة مصادرها أيضًا، وسبل اكتسابها.