فلقد كان من ورعه أنه لا يأكل من فاكهة دمشق بحجة أنها كثيرة الأوقاف والأملاك لمن هو تحت الحجر شرعا ، ولا يجوز التصرف في ذلك على وجه الغبطة والمصلحة ، ثم المعاملة فيها على وجه المساقاة وفيها اختلاف بين العلماء قال: فكيف تطيب نفسي بأكل ذلك.
قال السيوطي ـ رحمه الله ـ لقد أتعب نفسه وأرضى ربه وصميره ، وإلا فقد كان يعلم أن الأصل في الأشياء الإباحة ، حتى يدل الدليل على التحريم ، ويفتي بهذا الأصل ويقرره في كتبه كما قال في تسمية النبات المجهول تسميته حيث قال المتولي: يحرم أكله.
قال النووي: الأقرب الموافق للمحكي عن الشافعي الحل.
فكان له في هذه القاعدة الفقهية مندوحة ، لو أراد أن يمنع نفسه مما أحب من فاكهة دمشق ، وهي حجة له عند ربه ـ إن شاء الله تعالى ـ
غير أن نفسه المرهفة النقية لا تطيب أن تتغذى بشيء ينازع فيه الورع ، حيث يختلج في صدره عدم وجود القائمين على الأوقاف على الوجه الأكمل ، فلذلك هان عليه ترك أكل فاكهة الشام ، وهي بستان الفواكه ومعدنها ، ورضي أن يقيم صلبه ويسد رمقه بما يرسل به أبواه من كعك يابس وتين حوراني ، أو خبز ما يكفيه جمعة فيأكله ، ولا يأكل سوى لون واحد من الإدام دسا أو خلا أو زيتا.
وحكى اليافعي أنه عوتب في عدم والتزوج وقيل له: هو سنة كبيرة ، ولم يبق عليك من السنة إلا هو ، وكذلك محاسن فقال: أخفا أن أتى بسنة وأدخل في محرمات كثيرة.
أما عبادته فقد قال الأستاذ عبد الغني الدقر:
ومع هذا كان النووي اشتغال في العبادة قال البدر بن الباقر ، وكان ـ، أي النووي ـكثير العبادة.
وقال تلميذه ابن العطار ، كان كثير التلاوة ، كثير الذكر لله ـ تعالى ـ
وقال القطب اليونيني: إنه كان كثير التلاوة للقرآن والذكر معرضا عن الدنيا ، مقبلا على الآخرة من حال ترعرعه.