وللجواب على ذلك نقول: تختلف أحوال الذهبي مع الحاكم ؛ فالذهبي أحيانًا يتعقب الحاكم ، وقد أوردت بعض أمثلة التعقب ، وأحيانًا يحكي كلام الحاكم فقط ، فإذا حكاه يقال له: إقرار وموافقة ، وقد بينت مثاله ، وأما أنه لا يذكر كلام الحاكم إطلاقًا ولا يتعقبه بشيء ، فإن هذا سكوت. فهي إذن ثلاثة أحوال: تعقب ، وإقرار ، وسكوت.
نجد أن الذهبي سكت عن حديث عمارة بن حزم قال: رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبر ، فقال:"أنزل من القبر ؛ لا تؤذي صاحبه ولا يؤذيك" [1] .
فهذا الحديث سكت عنه الحاكم وسكت عنه الذهبي أيضًا ، ولكن الذهبي حينما سكت عنه ، لم يسكت عنه فيما يظهر ، لأنه لا يحوره [2] فيه الكلام ، بل إنه علق الحديث عن ابن لهيعة ، وكأنه يشير إلى من يقف على الحديث إني أبرزت لك ابن لهيعة فاعرف أنه هو الذي يعتبر علة هذا الحديث .
فأحيانًا قد يصنع الذهبي هذا الصنيع ، ويشير للعلة مجرد إشارة بطريقة تعليقه للحديث بهذه الصورة ، وأحيانًا لا يصنع هذا.
وبعض طلبة العلم الذين أشرت إليهم وبعض المؤلفين يرون أننا حين نقول عن حديث من الأحاديث: إن الذهبي وافق الحاكم وأقره عليه ، كأن يقول الحاكم:"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه"، فيذكر الذهبي هذا الحديث في"التلخيص"ويقول:"خ ، م"، أي أن الحاكم قال: على شرط البخاري ومسلم ، ثم لا يتعقبه بشيء - هم يقولون حينذاك: لا يجوز لكم أن تقولوا: إن الذهبي وافق الحاكم . ونحن نقول: إن الذهبي وافق الحاكم في هذه الحالة .
ومنشأ النزاع أنهم يقولون: الذهبي لم يصرح بموافقة الحاكم ، فهو لم يقل: أصاب الحاكم ، أو: إنني أوافق الحاكم ، ولم ينص في المقدمة على إنني إذا قلت كذا فأنا موافق للحاكم، فكيف تنسبون للذهبي ما لم يقله ؟! .
(1) 17) أنظر: المستدرك (3/590) .
(2) 18) من الحيرة .