ب- أنه ظهر في عصره جماعة من المبتدعة يشمتون برواة الآثار ويدعون أن جميع ما يصح من الحديث لا يبلغ عشرة آلاف حديث التي هي مجموع أحاديث الصحيحين تقريبًا ، فألح عليه أهل العلم في عصره للرد على هؤلاء المتبدعة ؛ لأنهم يرون للحاكم مكانة عظيمة في نفوسهم ، ومشهودا له بقوة الحافظة وبالإتقان وبمعرفة علم الحديث بشكل تدل عليه عبارات العلماء الذين أطروه وأثنوا عليه .
ولعل من الأمثلة الطريفة ما رواه أبا نصر الوائلي قال: لما ورد أبو الفضل الهمذاني نيسابور تعصبوا له ولقبوه بديع الزمان فأعجب بنفسه إذ كان يحفظ المئة بيت إذا أنشدت مرة وينشدها من آخرها إلى أولها مقلوبة فأنكر على الناس قولهم فلان الحافظ في الحديث ثم قال: وحفظ الحديث مما يذكر؟؟
فسمع به الحاكم ابن البيع فوجه إليه بجزء وأجل له جمعة في حفظه فرد إليه الجزء بعد الجمعة ، وقال: من يحفظ هذا ؛ محمد بن فلان ، وجعفر بن فلان عن فلان ؛ أسامي مختلفة وألفاظ متبايبة ، فقال له الحاكم: فاعرف نفسك ، واعلم أن هذا الحفظ أصعب مما أنت فيه.
جـ- أن جماعة من أعيان أهل العلم بنيسابور سألوه أن يجمع كتابًا يشتمل على أحاديث مروية بأسانيد يحتج البخاري ومسلم بمثلها .
فهذه الأسباب الثلاثة بمجموعها هي التي دفعت الحاكم - رحمه الله - إلى تأليف كتابه"المستدرك".
موضوع كتاب المستدرك
الكتاب يذكر بعض الأحاديث مرتبة على ترتيب الجوامع ؛ أي أنه يضم أحاديث الأحكام وغيرها ، ورتبه على نفس الترتيب الفقهي المعروف عمومًا ، ويرى أنها صحيحة على شرط الشيخين أو على شرط أحدهما ، ولم يخرجاها في كتابيهما . وأحاديث أخرى يرى أنها مستوفية للشروط العامة للصحة من اتصال السند وثقة الرواة وعدم الشذوذ وعدم العلة .
وربما أورد في كتابه بعض الأحاديث التي لا يرى أنها صحيحة ، ولكنه أوردها لبعض الاعتبارات ، كالأحاديث الستة التي أوردها في البيوع وصرح بخروجها عن شرط الكتاب كما تقدم .