الصفحة 9 من 36

ونوع يعدم الرضا ولا يفسد الاختيار, نحو: الإكراه بالحبس أو القيد مدة مديدة أو بالضرب الذي لا يخاف به التلف على نفسه، وإنما لم يفسد به الاختيار؛ لعدم الاضطرار إلى مباشرة ما أكره عليه؛ لتمكنه من الصبر على ما هُدد به.

ونوع آخر: لا يعدم الرضا, فلا يفسد به الاختيار ضرورة؛ لأن الرضا مستلزم لصحة الاختيار، وهو أن يضم, أي: يقصد المكرِه بحبس أبي المكره أو ولده أن يغتم المكرَه بسبب حبس أبيه, وما يجري مجراه من حبس زوجه, وأمه, وأخته, وأخيه, وكل ذي رحم محرم منه؛ لأن القرابة المتأبدة بالمحرمية بمنزلة الولاد, وكان ما ذكر جواب القياس, فإنه ذكر في «المبسوط» , ولو قيل له: لتحبس أباك أو ابنك في السجن أو لتبيعن عبدك هذا بألف درهم، ففعل, ففي القياس: البيع جائز؛ لأن هذا ليس بإكراه, فإنه لم يهدده بشيء في نفسه، وحبس أبيه في السجن لا يلحق ضررًا به.

فالتهديد به لا يمنع صحة بيعه, وإقراره, وهبته, وكذلك في حق كل ذي رحم محرم.

وفي الاستحسان: ذلك إكراه, ولا ينفذ شيء من هذه التصرفات؛ لأن حبس أبيه يلحق به من الهم والحزن ما يلحق به حبس نفسه أو أكثر؛ فإن الولد إذا كان بارا يسعى في تخليص أبيه من السجن إن كان يعلم أنه حُبس، وربما يدخل السجن مختارًا, ويجلس مكان أبيه؛ ليخرج أبوه، فكما أن التهديد بالحبس في حقه يعدم تمام الرضا، فكذلك التهديد بحبس أبيه [1] .

وقسم غير الحنفية, وخاصة الشافعية الإكراه قسمين:

1 -إكراه بحق: وهو الإكراه المشروع, أي: الذي لا ظلم فيه مما يحق للمكرِه التهديد بما هدد به، كما أنه يحق للمكره إلزام المكرِه بما أكره عليه, ومن أمثلته: إكراه القاضي المدين على بيع ماله, وفاء لدينه.

وقد ذكر السيوطي في كتابه «الأشباه والنظائر» عدة صور للإكراه بحق, وهي:

الإكراه على الأذان، وعلى فعل الصلاة، والوضوء, وأركان الطهارة، والحج، وأداء الزكاة، والكفارة، والدَّين وبيع ماله فيه، والصوم، والاستئجار للحج، والإنفاق على رقيقه، وبهيمته، وإقامة الحدود، وإعتاق المنذور عتقه، والمشتري بشرط العتق، وطلاق المولى إذا لم يطأ, واختيار من أسلم على أكثر من أربع، وغسل الميت, والجهاد, فكل ذلك يصح مع الإكراه، ثم يقول: فهذه أكثر من عشرين صورة في ضابط الإكراه بحق [2] .

الإكراه بغير حق: وهو الإكراه المحرم, وهذا النوع من الإكراه لم يقسمه غير الحنفية إلى: ملجئ, وغير ملجئ كما تقدم, وإنما تكلموا عمَّا يتحقق به الإكراه, وما لا يتحقق, فما قال به الحنفية: إنه إكراه ملجئ يقولون به، أما ما سماه الحنفية إكراهًا غير ملجئ, فهناك خلاف فيه, ففي «متن المنهاج» للنووي: ويحصل الإكراه بتخويف بضرب شديد، أو حبس، أو إتلاف مال, ونحوها، وقيل: يشترط قتل، وقيل: قتل، أو قطع، أو ضرب مخوف [3] .

وذكر السيوطي عن الرافعي: أن الذي مال إليه المعتبرون: أن الإكراه على القتل لا يحصل إلا بالتخويف بالقتل، أو ما يخاف منه القتل. وأما غيره، ففيه سبعة أوجه أكتفي منها بذكر الوجه السابع؛ حيث يقول: وهو اختيار النووي في «الروضة» : إن

(1) «كشف الأسرار للبخاري على أصول البزدوي» : جـ4, ص:1503. و «تيسير التحرير» : جـ2, ص:307. و «التقرير والتحبير» : جـ2, ص:306. و «التلويح» للتفتازاني: جـ2, ص:196.و «شرح المنار» : ص:992. و «المبسوط» للسرخسي: جـ24, ص:143 - 144.

(2) «الأشباه والنظائر» للسيوطي: ص: 206.

(3) «متن المنهاج بشرح مغني المحتاج» : جـ3, ص:290.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت