المبحث الثالث
أنواع الإكراه وحكمه
وفيه مطلبان:
المطلب الأول
أنواع الإكراه
يتنوع الإكراه عند الحنفية باعتبار قوته, ودرجة تأثيره إلى نوعين: إكراه ملجئ, وإكراه غير ملجئ.
النوع الأول: «الإكراه الملجئ» , ويسمى بـ «الإكراه التام أو بالإكراه الكامل» , وهذا الإكراه يعد أعلى أنواع الإكراه؛ حيث يجعل المكرَه كالآلة في يد المكرِه، فهو يعدم الرضا, ويفسد الاختيار [1] .
ومثال هذا النوع: التهديد بإتلاف النفس، أو إتلاف عضو من أعضاء الإنسان.
ومن العلماء من ألحق بهذا النوع: التهديد بإتلاف المال كله؛ حيث إن المال عصب الحياة.
النوع الثاني: «الإكراه غير الملجئ» , ويسمى بـ «الإكراه الناقص» , وهذا النوع من الإكراه يعدم الرضا, ولا يفسد الاختيار؛ حيث يبقى الفاعل مستقلا في قصده.
ومن أمثلة هذا النوع: التهديد بالحبس لمدة مديدة، والضرب الذي لا يخشى معه القتل، أو فقد بعض الأعضاء.
ومثل هذا يمكن الصبر عليه، وعدم اضطرار المكره إلى فعل ما أكره عليه، ومن ثم كان معدمًا للرضا غير مفسد للاختيار [2] .
وهناك نوع ثالث للإكراه عند الحنفية لا يعدم الرضا، ومن ثم لا يفسد به الاختيار ضرورة؛ لأن الرضا مستلزم لصحة الاختيار، وهذا النوع يسمى لدى علماء القانون بـ «الإكراه الأدبي» يقول عبد العزيز البخاري في «كشف الأسرار» بالنسبة للأنواع الثلاثة السابقة:"نوع يعدم الرضا ويفسد الاختيار، نحو: التهديد بما يخاف به على نفسه، أو عضو من أعضائه؛ لأن حرمة الأعضاء كحرمة النفس تبعًا لها".
و «الاختيار» هو «القصد إلى أمر متردد بين الوجود, والعدم داخل في قدرة الفاعل بترجيح أحد الجانبين على الأخر كذا قيل. والصحيح منه أن يكون الفاعل في قصده مستبدًّا, والفاسد منه أن يكون اختياره مبنيا على اختيار الآخر، فإذا اضطر إلى مباشرة أمر بالإكراه كان قصده في المباشرة دفع الإكراه حقيقة, فيصير الاختيار فاسدًا لابتنائه على اختيار المكرِه, وإن لم ينعدم أصلا.
(1) إعدامه للرضا؛ لأن «الرضا» هو الرغبة في الشيء, والارتياح له, ولا يتحقق هذا مع الإكراه, وأما كونه مفسدًا للاختيار دون إعدامه؛ لأن «الاختيار» معناه: القصد إلى فعل الشيء أو تركه بترجيح من الفاعل، وهذا المعنى لا يزول بالإكراه, ولكنه تارة يكون صحيحًا سليمًا إذا كان عن رغبة, وتارة يكون فاسدًا إذا كان ارتكابًا لأخف الضررين. «كشف الأسرار للبخاري» : جـ4, ص:1503.
(2) «كشف الأسرار للبخاري على أصول البزدوي» : جـ4, ص:1503. و «شرح المنار» : ص:992.