وفي «فتح القدير» للكمال بن همام: لزفر أن الفعل من المكرَه حقيقة لصدوره منه بغير واسطة، وحسًّا، فإنه معاين مشاهد، وكذا شرعًا؛ لأنه قرر عليه حكمه، وهو الإثم, فإيجاب القصاص على غيره، غير معقول، وغير مشروع [1] .
والزنا يأخذ حكم ما لا يحل للمكرَه الإقدام عليه، فإن حرمة الزنا لا ترتفع بحال من الأحوال، ومن ثم لا يرخص فيه حالة الإكراه، كما لا يرخص فيه حالة الاختيار.
فالزنا يعتبر قتلًا في المعنى؛ لأن ولد الزنا بمنزلة الهالك، فإن انقطاع نسبه من الغير هلاك [2] .
يقول ابن ملك: في الزنا فساد الفراش، وضياع النسل؛ لأن ولد الزنا هالك حكمًا؛ إذ لا يجب على الأم نفقته؛ لأنها عاجزة عن الكسب، فكان الزنا كالقتل.
فإن قلت: هذا مسلم في غير المنكوحة، وأما إذا كانت منكوحة الغير، يكون الولد للفراش؛ فلا يكون هالكًا.
قلت: الأصل أن ينسب الولد إلى من خلق من مائه، وتجب النفقة عليه؛ لأنه جزؤه، فيكون هالكًا بالنظر إلى الأصل، وقد ينفي صاحب الفراش مثل هذا الولد عن نفسه عادة، فيفضي إلى إهلاكه [3] .
وصدر الشريعة يقول: إن الزنا قتل معنى، فإن ولد الزنا بمنزلة الهالك, فإن انقطاع نسبه من الغير هلاك.
والتفتازاني يقول: الزنا قتل من جهة أن من لا نسب له بمنزلة الميت, كما أن النفقة لا تجب على الزاني؛ لعدم النسب، ولا على المرأة لعجزها عن ذلك، فيهلك الولد، والولد في صورة كون المرأة متزوجة، وإن كان ينسب إلى الفراش، وتجب نفقته على الزوج، إلا أن الزوج ربما ينفي مثل هذا النسب، فيهلك الولد [4] .
فإذا زنا الرجل تحت تأثير الإكراه، كان آثمًا بلا خلاف.
ولكن لا يجب عليه الحد؛ حيث إن الإكراه يعتبر شبهة، والحدود تندرئ بالشبهات.
وعند أبي حنيفة: يجب عليه الحد، إذا كان الإكراه من غير السلطان [5] .
يقول الكاساني: كان أبو حنيفة -رحمه الله- يقول: المكره على الزنا يجب عليه الحد، وهو القياس؛ لأن الزنا من الرجل لا يتحقق إلا بانتشار الآلة، والإكراه لا يؤثر فيه، فكان طائعًا في الزنا، فيجب عليه الحد، ثم رجع, وقال: إذا كان الإكراه من السلطان، لا يجب عليه الحد، بناء على أن الإكراه لا يتحقق إلا من السلطان عنده.
وعندهما يتحقق من السلطان وغيره, وأما قوله: إن الزنا لا يتحقق إلا بانتشار الآلة، فنعم، لكن ليس كل من تنتشر آلته يفعل، فكان فعله بناء على إكراهه، فيعمل فيه؛ لضرورته مدفوعًا إليه خوفًا من القتل، فيمنع وجوب الحد، ولكن يجب العقر
(1) «فتح القدير» : جـ9, ص: 244.
(2) «تيسير التحرير» : جـ2, ص:313، و «شرح المنار» لابن مالك: ص:996، و «التنقيح والتوضيح لصدر الشريعة» ، و «التلويح» للتفتازاني: جـ2, ص:201، و «درر الحكام» : جـ2, ص:271.
(3) «شرح المنار» : ص:996.
(4) «التنقيح» و «التوضيح» و «التلويح» : جـ2, ص:201، و «أصول البزدوي, وكشف الأسرار عليه» : جـ4, ص:1517، و «فتح الغفار بشرح المنار» لابن نجيم: جـ3, ص:122، و «كشف الأسرار» للنفي: جـ2, ص:213، و «التقرير والتحبير» : جـ2, ص:209، و «حاشية ابن عابدين» : جـ6, ص:137.
(5) «الإكراه» عند أبي حنيفة لا يكون إلا من السلطان.