على المكرَه؛ لأن الزنا في دار الإسلام، لا يخلو عن إحدى الغرامتين، وإنما وجب العقر على المكرَه دون المكرِه؛ لأن الزنا مما لا يتصور تحصيله بآلة غيره، والأصل أن$$$$$$ صفحات من 95: 98$$$$$ عن ارتكاب الحرام في زعمه, وهذا لأن انكشاف الحرمة عند الضرورة, ودليله خفي، فيعذر فيه بالجهل [1] .
النوع الثالث: أفعال الشارع رخص في فعلها عند الضرورة، وهذه الأفعال أباح الشارع للمكره الإقدام عليها، ولا إثم عليه، ولكن لو صبر, وامتنع عن فعلها حتى مات، كان مثابًا من الله ـ تعالى ـ, وذلك كالإكراه على النطق بكلمة الكفر، وعلى كل فعل فيه استخفاف بالدين.
فإذا أكره الإنسان على أن يأتي هذا الفعل، جاز له ذلك الفعل متى كان قلبه مطمئنًا بالإيمان؛ لقوله تعالى: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) [2] .
ولما ورد في السنة: أن المشركين أخذوا عمار بن ياسر ـ رضي الله عنه ـ فلم يتركوه حتى سب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وذكر آلهتهم بخير.
فلما أتى عمار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال له: «ما ورائك؟» قال: شر يا رسول الله، ما تركت حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير، قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «فكيف تجد قلبك؟» قال: مطمئنًا بالإيمان، قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «إن عادوا فعد» [3] .
وقد رخص الشارع في ذلك، مع قيام المحرم والحمرة؛ حيث إن حرمة الكفر قائمة أبدًا؛ لأن المحرم للكفر، وهو الدلائل الدالة على وجوب الإيمان قائمة، فتكون حرمة الكفر قائمة أبدًا أيضًا، ولكن بالقتل يفوت حق العبد صورة ومعنى، صورة بخراب البنية، ومعنى بزهوق الروح، أي: خروجها من البدن، أما حق الله ـ تعالى ـ لا يفوت معنى؛ لأن قلبه مطمئن بالإيمان, ومن ثم رخص له أن يجري كلمة الكفر على لسانه, ولكن إن صبر, وبذل نفسه حسبة
@ 99 صفحة بالأصل غير موجودة@
ويقول الشيخ محمد متولي الشعراوي في تفسيره [4] : لا بأس أن يأخذ المؤمن بالتقية، وهي رخصة تقي الإنسان موارد الهلاك في مثل هذه الأحوال, ثم يقول: وفي تاريخ الإسلام نماذج متعددة أخذت بهذه الرخصة، ونطقت كلمة الكفر, وهي مطمئنة بالإيمان ثم ذكر نماذج لمن صدع بالحق, وأصر على الإيمان، حتى نال الشهادة في سبيل الله، كياسر، وزوجه سمية. كما ذكر نماذج لمن أخذ بالرخصة كعمار بن ياسر، ثم يستطرد قائلًا: ولا شك أن هاتين منزلتان في مواجهة الباطل وأهله، وأن الصدع بالحق, والصبر على البلاء أعلى منزلة، وأسمى درجة من الأخذ بالرخصة؛ لأن الأول آمن بقلبه ولسانه، والآخر آمن بقلبه فقط, ونطق لسانه بالكفر.
(1) «أصول البزدوي وكشف الأسرار عليه» : جـ4, ص: 1518، و «التنقيح» و «التوضيح» و «التلويح» : جـ2, ص: 201، و «شرح المنار» لابن ملك: ص: 996، 997، و «فتح الغفار» : جـ3, ص:122، و «حاشية ابن عابدين» : جـ6, ص: 133، 134.
(2) النحل من الآية: 106.
(3) «السنن الكبرى» للبيهقي: جـ8, ص: 208 (باب المكره على الردة) ، و «الدرر المنثور» للسيوطي: جـ5, ص: 170.
(4) «تفسير الشيخ الشعراوي» : ص: 8232 - 8234.