ب- أما إن كان الإكراه ملجئًا: وهو ما يكون بالقتل، أو تفويت بعض الأعضاء، وما أشبه ذلك, فإن الأفعال التي يكره عليها الإنسان ثلاثة أنواع:
النوع الأول: أفعال لا يحل للمكرَه الإقدام عليها بأية حال من الأحوال، ومن أمثلة ذلك: قتل النفس المعصومة، أو قطع عضو من الأعضاء، أو الضرب الذي يؤدي إلى هلاك النفس، أو العضو.
ومن هذا النوع أيضًا: الزنا.
فهذه الأفعال لا يجوز للمكره الإقدام عليها، ولو أدى ذلك إلى قتل نفسه، أو فقد عضو من أعضائه؛ لأن نفس المغير معصومة كنفس المكرَه، فإذا أقدم على القتل يكون قد آثر نفسه على نفس غير, وهذا لا يجوز؛ لأن الإنسان لا يدفع الضرر عن نفسه بإيقاعه على غيره، وعليه أن يصبر على ما يلحقه من أذى، باعتبار أنه ابتلاء، فإذا فعل كان آثمًا، واستحق العقاب الأخروي بلا خلاف, يقول البخاري: لا يجوز له أن يبذل نفس غيره لصيانة نفسه، فنفس غيره مثل نفسه في استحقاق الصيانة [1] .
ويقول صاحب «التيسير» : إن خوف تلف النفس، أو العضو، لا يكون سببًا لرخصة قتل الغير، أو قطع عضو، وإن كان عبده، لاستحقاقهما الصيانة، واستوائهما في الاستحقاق، فلا تسقط إحدى الحرمتين للأخرى [2] .
ويقول ابن ملك: القاتل والمقتول في استحقاق العصمة، وخوف التلف سواء، فلا يحل للقاتل أن يقتل غيره؛ لتخليص نفسه، فصار الإكراه في حكم العدم في حق إباحة قتل المكره عليه؛ للتعارض بينهما في استحقاق الصيانة، فإذا قتله، فكأنه قتله بلا إكراه، فيحرم [3] .
أما العقوبة الدنيوية، فثمة خلاف بين الفقهاء فيمن يستحقها:
1 -فأبو حنيفة, ومحمد «الطرفان» يقولان: إن القصاص يكون على المكرِه؛ حيث إن القتل يمكن أن ينسب إلى الحامل، بجعل الفاعل آلة له، فالمكرَه كالآلة التي يستخدمها المجرم في ارتكاب الجريمة, والعقوبة على الجريمة لا تكون للآلة التي تستخدم فيها، وإنما تكون لمن استخدمها.
أما المكره فيستحق التعزير بما يراه الإمام زاجرًا له؛ حيث قدم عصمة نفسه على عصمة غيره مع أنهما في العصمة سواء [4] .
يقول صاحب «التيسير» : ينسب الفعل إلى الحامل، ومن ثم يكون القصاص على المكرِه على قول أبي حنيفة, ومحمد, ويقول معللًا هذا الحكم لهما:
إن الإنسان مجبول على حب الحياة، فقدم على ما يتوصل به إلى إبقاء الحياة بقضية الطبع، بمنزلة الآلة لا اختيار لها، كالسيف في يد القاتل، فيضاف الفعل إلى الحامل [5] .
(1) «كشف الأسرار للبخاري على أصول البزدوي» : جـ4, ص: 1517.
(2) «تيسير التحرير» لباد شاه على «التحرير» للكمال بن همام: جـ2, ص: 313.
(3) «شرح المنار» لابن ملك: ص: 996.
(4) «بدائع الصنائع» : جـ6, ص: 179.
(5) «تيسير التحرير» : جـ2, ص:312، و «التلويح» للتفتازاني: جـ2, ص:200، و «فتح الغفار» : جـ3, ص: 122.