فإن قيل: الإكراه يعارضه أن الصدق هو الأصل في المؤمن، ووجود المخبر به هو المفهوم من الكلام، فلا يقوم دليل على عدم المخبر به.
أجيب: بأن المعارضة إنما تنفي المدلول، لا الدليل. غاية ما في الباب أنه لا يبقى رجحان لجانب الصدق، أو جانب الكذب، فلا تثبت الحقوق بالشك [1] .
يقول ابن ملك: ولا تصح الأقارير كلها؛ لأن صحتها تعتمد على قيام المخبر به، وقد قامت دلالة على عدمه، أي: عدم ثبوت المخبر له؛ لأنه تكلم دفعًا للسيف عن نفسه، لا لوجود المخبر به.
فإن قلت: إذا قال الرجل لعبده الذي هو أكبر سنًا منه: هذا ابني، يعتق عند أبي حنيفة، مع أن كذبه متيقن، فكان ينبغي أن يعتق العبد إذا أقر بعتقه بالإكراه.
قلت: أبو حنيفة أثبت العتق فيه باعتبار جعل كلامه مجازًا عن الإقرار، وهاهنا لا يحتمل كلامه أن يكون مجازًا في شيء؛ لأنه أكره على أن يتكلم بالحقيقة، لا بالمجاز، وكذبه راجح؛ لقيام دليله, وهو الإكراه [2] .
هذا هو أثر الإكراه في التصرفات القولية عند الحنفية. أما أثر الإكراه عند المذاهب الأخرى، فبيانه فيما يأتي:
أ- المالكية: إذا أكره شخص على عقد، أو على إقرار، أو على يمين أو غير ذلك لم يلزم المكره شيء.
وقالوا: إن الإكراه في هذه الأمور يكون بالتخويف بقتل أو ضرب مؤلم، أو بسجن، كما يكون أيضًا بصفع لذي مروءة على ملأ من الناس.
كما قالوا أيضًا: إن أجاز المكرَه شيئًا مما أكره عليه طائعًا مختارًا، بعد زوال الإكراه، لزم على الأحسن، ما لم يكن نكاحًا, فإنه لا يجوز [3] .
ب- الشافعية: يرى الشافعية: أن المكره عليه إذا كان عقدًا، أو حلًا، أو أي تصرف قولي، أو فعلي، لا يصح، واستدلوا على ذلك، بعموم قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «رفع عن أمتي الخطأ, والنسيان, وما استكرهوا عليه» [4] , ومن ثم لا أثر لقول المكره، إلا في الصلاة؛ حيث تبطل به. وفي «مغني المحتاج على المنهاج: ولا يصح إقرار مكره بما أكره عليه، لقوله تعالى: ( ... إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ. .. ) [5] .
جعل الإكراه مسقطا لحكم الكفر، فبالأولى ما عداه [6] .
(1) «التوضيح والتلويح» : جـ2, ص:198، 199، و «شرح المنار» لابن ملك, وحواشيه: ص:994، و «حاشية نسمات الأسحار» : ص:185، و «مسلم الثبوت, وشرحه فواتح الرحموت» : جـ1, ص: 167. و «تيسير التحرير» : جـ2, ص:310.
(2) «شرح المنار» لابن ملك: ص: 1994.
(3) «الدسوقي على الشرح الكبير» : جـ1, ص: 239، و «الشرح الصغير, وحاشية الصاوي» : جـ2, ص: 548، وفي «بداية المجتهد» : جـ1, ص: 253 في موجب الحنث في الإيمان، يرى الإمام مالك:"أن المكره بمنزلة العامد".
(4) «سنن ابن ماجه» : جـ1, ص: 659.
(5) من الآية: 106 من سورة النحل.
(6) «مغني المحتاج» : جـ2, ص:240.