الصفحة 14 من 36

هذه التصرفات لا تأثير للإكراه فيها عند الحنفية من حيث نفاذها، فالمكره على طلاق امرأته، أو عتق عبده، يقع طلاقه، وينفذ قوله، سواء أكان الإكراه ملجئًا، أم كان غير ملجئ [1] .

يقول صدر الشريعة: فإن كانت الأقوال مما لا ينفسخ، ولا يتوقف على الاختيار، كالطلاق، والعتاق, تنفذ؛ لأنها، أي: الأقوال التي لا تنفسخ تنفذ مع الهزل، وهو ينافي الاختيار أصلًا، والرضا بالحكم, فلأن تنفذ, أي: الأقوال التي لا تنفسخ بالإكراه, وهو يفسد الاختيار أولى.

ووجه الأولوية: أن في الهزل اختيار المباشرة، والرضا بها ثابتان، ولكن اختيار الحكم, والرضا به منتفيان، أما الإكراه فالرضا بالحكم, والسبب منتف فيه، أما اختيار السبب, فحاصل في الإكراه مع الفساد، فإن كان الطلاق, والعتاق واقعين في الهزل من غير اختيار الحكم, والرضا به، فوقوعهما في الإكراه في فساد الاختيار أولى. هذا ما قالوا.

ولكن يرد عليه: إن اختيار السبب, والرضا به حاصل في الهزل بدون الفساد، وأما في الإكراه، فلا رضا بالسبب أصلًا، واختيار السبب موجود مع الفساد، فلا يلزم من الوقوع في الهزل الوقوع في الإكراه [2] .

ويجيب التفتازاني عن هذا الاعتراض, فيقول: إن ثمة أمورًا أربعة هي: اختيار السبب, والحكم, والرضا بهما، ففي الهزل يوجد اختيار السبب, والرضا به مع الصحة، وينتفي اختيار الحكم, والرضا به، وفي الإكراه يوجد اختيار السبب, والحكم مع الفساد، وينتفي الرضا بهما، ففي كل من الهزل, والإكراه يوجد الاثنان من الأمور الأربعة، إلا أن الأمرين اللذين في الإكراه أقوى، من جهة أن الحكم هو المقصود، والسبب وسيلة إليه، وأن الاختيار هو المعتبر في عامة الأحكام، ونفاذ التصرفات، والرضا قد يكون، وقد لا يكون، وفساد الاختيار لا يوجب المرجوحية؛ لأن الفاسد بمنزلة الصحيح فيما لا يحتمل الفسخ؛ لأنه إذا انعقد ينفذ، ولا يحتمل تخلف الحكم [3] .

القسم الثاني: التصرفات القولية التي تقبل الفسخ:

إن كانت الأقوال مما ينفسخ، ويتوقف على الرضا، تنعقد فاسدة أما الانعقاد، فلصدورها عن أهلها في محلها، وأما الفساد؛ فلأن الرضا شرط النفاذ، ومن ثم لو أجاز التصرف بعد زوال الإكراه صريحًا أو دلالة، صح لزوال المعنى المفسد بالإجازة.

وأمثله هذا: إذا كان المكره عليه من العقود، والتصرفات الشرعية كالبيع، والإجارة، والرهن، ونحوها.

فمن باع أو أجر، أو رهن مكرهًا، فسدت تصرفاته، فلا يملك المشتري المبيع إلا بالقبض, ولا فرق بين أن يكون الإكراه ملجئًا، أو غير ملجئ.

أما إذا كانت التصرفات القولية إقرارات، سواء أكانت مالية أم غير مالية، فإنها تكون باطلة وتلغى، فالذي يكره على الاعتراف بمال، أو زواج، أو طلاق، يكون اعترافه باطلًا غير معتد به في نظر الشرع, وسواء أكان الإكراه ملجئًا أم غير ملجئ, ووجه البطلان: أن الإقرار خبر يحتمل الصدق والكذب، وإنما يوجب الحقوق باعتبار رجحان جانب الصدق، أي: وجود المخبر به، فإذا تحقق الإكراه, وعدم الرضا، وهو دليل على الكذب، أي: عدم وجود المخبر به لم تثبت الحقوق.

(1) يقول ابن ملك في شرحه على المنار, ص:1994:"إن هذه التصرفات (يقصد ما لا يقبل الفسخ) لا تحتمل الفسخ، وتتوقف على القصد والاختيار، دون الرضا، بدليل أنها لا تبطل بالهزل، فلا تبطل بالإكراه."

(2) «التنقيح والتوضيح لصدر الشريعة» : جـ2, ص:197.

(3) «التلويح» للتفتازاني: جـ2, ص:198، ومثله في «حاشية الرهاوي على شرح المنار» لابن ملك: ص:994.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت