وفي أصول البنردوي: الإكراه بجملته لا ينافي أهلية، ولا يوجب وضع الخطاب بحال؛ لأن المكره مبتلى، والابتلاء يحقق الخطاب، ألا يرى أنه متردد بين فرض, وحظر, وإباحة، ورخصة، وذلك آية الخطاب، فيأثم مرة, ويؤجر أخرى، ولا ينافي الاختيار أيضًا؛ لأنه لو سقط لبطل الإكراه، ألا يرى أنه حمل على الاختيار، وقد وافق الحامل, فكيف لا يكون مختارًا, ولذلك كان مخاطبًا في عين ما أكره عليه، فثبت بهذه الجملة أن الإكراه لا يصلح لإبطال حكم شيء [1] .
وفي «التحرير» للكمال بن الهمام, و «شرحه» للتيسير: الإكراه مطلقًا لا ينافي أهلية الوجوب على المكره للذمة, والعقل, والبلوغ، كما أنه لا ينافي الاختيار؛ لأنه حمل للفاعل على أن يختار ما لا يرضاه، بل الفعل عنه, أي: الإكراه اختيار أخف المكروهين عند الفاعل من المكره به, والمكره عليه [2] .
وذكر الغزالي في «المستصفى» : إن فعل المكره يجوز أن يدخل تحت التكليف بخلاف فعل المجنون والبهيمة؛ لأن الخلل ثم في المكلف لا في المكلف به, فإن شرط تكليف المكلف السماع والفهم، وذلك في المجنون, والبهيمة معدوم، والمكره يفهم، وفعله في حيز الإمكان؛ إذ يقدر على تحقيقه وتركه، فإن أكره على أن يقتل جاز أن يكلف ترك القتل؛ لأنه قادر عليه، وإن كان فيه خوف الهلاك، وإن كلف على وفق الإكراه، فهو أيضًا ممكن، بأن يكره بالسيف على قتل حية همت بقتل مسلم؛ إذ يجب قتلها، أو أكره الكافر على الإسلام، فإذا أسلم، نقول: قد أدى ما كلف به [3] .
المطلب الثاني
أثر الإكراه في التصرفات
إن التصرفات الصادرة من المكره، قد تكون «تصرفات قولية» ، وقد تكون «تصرفات فعلية» .
أولًا: التصرفات القولية:
إن التصرفات القولية تصدر من المكرَه، تنقسم إلى قسمين:
1 -تصرفات قولية لا تقبل الفسخ.
2 -تصرفات قولية تقبل الفسخ.
القسم الأول: التصرفات القولية التي لا تقبل الفسخ.
إن من أمثلة التصرفات القولية التي لا تقبل الفسخ: الطلاق، والعتاق، والنكاح، والرجعة، والتدبير، والعفو عن دم العمد، واليمين، والنذر، والظهار، والإيلاء، والفيء، والإسلام [4] .
(1) «أصول البزدوي بشرح كشف الأسرار للبخاري» : جـ4, ص: 1503، 1504.
(2) «التحرير, وشرحه التيسير» : جـ2, ص: 307: 308, و «شرح المنار, وحواشيه» : ص: 992، 993، و «فتح الغفار» : جـ3, ص:120. ط مصطفى الحلبي بمصر سنة 1355هـ/ 1936م.
(3) «المستصفى» للغزالي: جـ1, ص: 90.
(4) «التنقيح والتوضيح لصدر الشريعة» : جـ2, ص:197، و «أصول البزدوي, وكشف الأسرار للبخاري» : جـ4, ص: 1505، و «شرح المنار» لابن ملك: ص: 994.