الصفحة 12 من 36

عندهم، وهو الذي لا قدرة له على الترك، بل يكون مدفوعًا ومحمولا بأبلغ جهات الحمل، كمن شدت يداه ورجلاه رباطًا, وألقي على عنق إنسان؛ بحيث لا يمكنه الاندفاع، فهذا ليس له اختيار، وأما المكره, فله قصد وقدرة, فكان مكلفًا.

ثم يقول الزركشي: وأما قول ابن برهان: إن المعتزلة لا يخالفون في تكليف المكره, فليس كذلك لما سبق من نقل الفحول عنهم.

ثم يقول: إن المعتزلة بنوا امتناع تكليف المكره بفعل ما أكره عليه على قاعدتين:

إحداهما: القول بالتحسين, والتقبيح العقليين.

والأخرى: وجوب الثواب على الله؛ لأن شرط التكليف عندهم الإثابة, وينقل الزركشي عن إمام الحرمين، فيقول: قال إمام الحرمين: إن القوم «يقصد المعتزلة» لا يمنعون من الشيء مع الحمل عليه، فإن ذلك أشد في المحنة, واقتضاء الثواب، وإنما الذي منعوه الاضطرار إلى الفعل مع الأمر به [1] .

الرأي الثاني: مقتضاه التفريق بين الإكراه الملجئ, والإكراه غير الملجئ, فالمكره إكراهًا ملجئًا غير مكلف، بينما المكره إكراهًا غير ملجئ يعتبر مكلفًا بالأحكام الشرعية, وهذا الرأي لجمهور العلماء.

يقول الإمام الرازي: المشهور أن الإكراه إما أن ينتهي إلى حد الإلجاء، أو لا ينتهي إليه, فإن انتهى إلى حد الإلجاء امتنع التكليف؛ لأن المكره عليه يعتبر واجب الوقوع، وضده يسير ممتنع الوقوع.

والتكليف بالواجب, والممتنع غير جائز، وإن لم ينته إلى حد الإلجاء، صح التكليف به [2] .

ويقول ابن السبكي, والمحلى: من لا مندوحة له عمّا أكره عليه إلا بالصبر على ما أكره به يمتنع تكليفه بالمكره عليه، أو بنقيضه على الصحيح؛ لعدم قدرته على امتثال ذلك، فإن الفعل للإكراه لا يحصل به الامتثال، ولا يمكن الإتيان معه بنقيضه [3] .

وفي «المنهاج» للبيضاوي, و «شرحه» للإسنوي: الإكراه الملجئ يمنع التكليف، لزوال القدرة, أما الإكراه غير الملجئ, فلا يمنع التكليف [4] .

الرأي الثالث: مقتضاه: أن المكره مطلقًا، سواء أكان الإكراه ملجئًا أم غير ملجئ, وهذا الرأي للحنفية.

وحجتهم: أن المكره مبتلى في حال الإكراه، كما كان في حال الاختيار، والابتلاء يخص الخطاب.

يقول صدر الشريعة: والإكراه سواء أكان ملجئًا أم غير ملجئ لا ينافي الأهلية, ولا الخطاب؛ لأن المكره عليه، إما فرض، كما إذا أكره على شرب الخمر بالقتل، أو مباح، كما إذا أكره على الإفطار في شهر رمضان، أو رخصة، كما إذا أكره على إجراء كلمة الكفر، أو حرام، كما إذا أكره على قتل مسلم بغير الحق، حتى يؤجر مرة, ويأثم أخرى، ولا ينافي الاختيار؛ لأنه حمل على اختيار الأهون [5] .

(1) «البحر المحيط» للزركشي: جـ1, ص: 359 - 361.

(2) «المحصول» للرازي: جـ1, ص: 449، 450, «القسم التحقيقي» طبعة أولى سنة 1399هـ/ 1979م تحقيق د/ طه جابر فياض العلواني.

(3) «جمع الجوامع» لابن السبكي, و «شرحه» للمحلى: جـ1, ص: 72 - 74.

(4) «المنهاج» لليضاوي, و «شرحه نهاية السؤل» للإسنوي: جـ1, ص: 185، 186.

(5) «متن التنقيح, وشرحه التوضيح» : جـ1, ص: 196، و «مسلم الثبوت, وشرحه فواتح الرحموت» : جـ1: ص:166.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت