المبحث الرابع
حكم تكليف المكره وأثر الإكراه في التصرفات
وفيه مطلبان:
المطلب الأول
حكم تكليف المكره
هناك ثلاثة آراء في تكليف المكره:
الرأي الأول: مقتضاه أن المكره غير مكلف مطلقًا، وهذا الرأي منسوب إلى المعتزلة.
يقول الإسنوي:"وذهبت المعتزلة إلى أنه يمنع التكليف في عين المكروه عليه دون نقيضه، فإنهم يشترطون في المأمور به أن يكون بحال يثاب على فعله، وإذا أكره على عين المأمور به، فالإتيان به لداعي الإكراه لا لداعي الشرع, فلا يثاب عليه، فلا يصح التكليف به، بخلاف ما إذا أتى بنقيض المكره عليه، فإنه أبلغ في إجابة داعي الشرع [1] ."
وقال إمام الحرمين: وذهبت المعتزلة إلى أن المكره على العبادة لا يجوز أن يكون مكلفًا بها, وبنوا ذلك على أصلهم في وجوب إثابة المكلف، والمحمول على الشيء لا يثاب عليه [2] .
وفي مسلم الثبوت وشرحه: وقالت المعتزلة: يمنع الإكراه التكليف في الملجئ بعين المكره عليه وبنقيضه، ويمنع في غيره في عين المكره عليه دون نقيضه، أي: لا يمنع في نقيض المكره عليه [3] .
وقال ابن قدامة المقدسي: محال دخول المكره تحت التكليف عند المعتزلة؛ لأنه لا يصح منه فعل غير ما أكره عليه, ولا يبقى له خيرة [4] .
ونسب صاحب «شرح الكوكب المنير» عدم تكليف المكره إلى المعتزلة, والطوفي [5] .
وفي «البحر المحيط» للزركشي: وقالت المعتزلة: لا يصح تكليف المكره مع وفاقهم على اقتداره, ثم يقول: وما نقل عن المعتزلة قد نازع فيه جماعة، منهم إلكيا الطبري، فقال: نقل عن بعض المعتزلة أن الإكراه ينافي التكليف. قال: وليس هذا مذهبًا لأحد، وإنما مذهبهم أن الإلجاء الذي ينافي اختيار العبد ينافي التكليف كالإيمان حالة اليأس.
ثم يستطرد الزركشي, فيقول: ونقل عن المعتزلة أن المكره غير مخاطب، وهذا خطأ في النقل عنهم، بل عندهم أنه مخاطب، بل هو أولى بالخطاب من المختار؛ لأن التكليف تحميل ما فيه كلفة ومشقة، وحالة المكره أدخل في أبواب التكليف والمشاق من حالة المختار؛ بسبب أنه مأمور بترك الفعل الذي أكره عليه، وواجب الانقياد عليه والاستسلام، وموعود عليه الأجر والثواب، إلا أن العلماء رأوا في كتبهم أن الملجأ ليس بمخاطب، فظنوا أن الملجأ والمكره واحد, وليس كذلك، بل الملجأ هو الذي لا يخاطب
(1) «نهاية السؤل» للإسنوي على «المنهاج» للبيضاوي: جـ1, ص: 186.
(2) «البرهان» لإمام الحرمين: جـ1, ص:106، فقرة: 32.
(3) «مسلم الثبوت, وشرحه» : جـ1, ص:166.
(4) «روضة الناظر, وجنة المناظر» : ص:50.
(5) «شرح الكوكب المنير» للفتوحي: جـ1, ص: 508.