وقد حاول بعض علماء المسلمين الأوائل أن يستنبطوا الأسباب التي أدت إلى تسمية من أصابته الجنابة بالجُنُبِ فقال الأزهري [1] : إنما قيل له جنب لأنه نُهي أن يقرب مواضع الصلاة ما لم يتطهر فتجنبها وأجنب عنها، أي تنحى عنها،وقيل لمجانبته الناس ما لم يغتسل. ومنهم من نسب الجنب إلى الجنابة فقال الجوهري [2] : ورجل جنب من الجنابة يستوي في الواحد والجمع والمؤنث. وذكر ابن منظور [3] : أن الجنب هو الذي يجب عليه الغسل بالجماع وخروج المني. وقد أشرنا أن ابن منظور قال: إن الجنابة هي المني.
ولو تأملنا في هذه الأقوال لوجدناها تتفق وتنسجم مع الواقع الملموس للجنب وحاله بشكلٍ عام حسب العلوم التي كان يعرفها العلماء في تلك الأزمنة، ولكن التأمل العميق في الأحاديث النبوية الشريفة المتعلقة بالجنابة وحكمها الشرعي يدلنا أن الجنابة ليست هي المني، و إنما هي شيء يخرج من داخل الجسم ويستقر عند كل شعرة أو عليها، فليس خروج المني من الرجل أو المرأة هو الموجب الوحيد للغسل، إذ يرى بعض العلماء أن الغسل يجب عليهما حتى في حالة عدم خروج الماء منهما، استنادًا على أحاديث نبوية جاءت في هذا الخصوص ومنها يستدل أن الغسل يجب في حالة الإنزال أو عدمه، فقد روى الإمام مسلم [4] رحمه الله عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: (إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جَهَدَهَا فقد وجب عليه الغسل وإن لم ينزل) .
(1) الأزهري، أبو منصور محمد بن أحمد (283 - 370 هـ) ، تهذيب اللغة.
(2) الجوهري، مرجع سابق.
(3) ابن منظور، مرجع سابق.
(4) صحيح مسلم بشرح النووي، كتاب الحيض، بيان الغسل يجب بالجماع،ج3،ص39-42.