ويستعيد التوجيه إلى ذاكرة سامعيه أن الإمبراطورية البريطانية احتفظت بسيادتها على البحر الأبيض ـ وهو مركز الثقل في الإستراتيجية العالمية طوال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين ـ بمجرد"تعويد"الآخرين على فكرة سيطرتها على البحار، في حين أنه على ساحة الواقع لم يكن لديها في البحر الأبيض طول هذه"القرون"غير تواجد عسكري محدود في إمكانياته عند مداخل البحر الأبيض ومخارجه في السويس وجبل طارق، ثم أسطول فوق مياه البحر يتكون من بارجة واحدة وست مدمرات فردت أعلامها ترفرف على الموج ما بين قبرص ومالطة. والولايات المتحدة في وضع أقوى عشرات المرات مما كانت عليه الإمبراطورية البريطانية، وكل ما يلزمها هو ترسيخ"عادة"الإقرار بوجودها في"كل مكان"وتأكيد هذا الوجود بحيث يصبح عنصرًا مؤثرًا على القرار في"أي مكان".
"2"إن الاقتصاد الأمريكي ما زال الأكثر حيوية والأقدر على التجدد، وتلك حقيقة تعكسها سيادة الدولار على غيره من العملات في أسواق العالم، ولا ينبغي أن يؤخذ ما حدث في أسواق المال ـ خصوصًا لشركات"التكنولوجيا الجديدة"التي انهارت قيمة أسهمها ـ دليلًا على"هشاشة"في القوة الاقتصادية الأمريكية، ذلك أن الطفرة التي حملت أسهم شركات التكنولوجيا الجديدة إلى ذروة السوق هي نوع من"الصرعات"التي تحدث من جراء التوقعات المبالغ فيها في مراحل التحول البارزة في قوى الإنتاج. والحقيقة أن هذه الطفرة من توابع اختراقات في تكنولوجيا المعلومات جعلت كثيرين يتصورون أن مجرد"وجود فكرة"جاهزة لقبول المخاطرة يخلق حالة يستطيع فيها الاستثمار أن يستغنى عن"رأس المال"وقد ثبت أن ذلك وهم مستحيل. والنتيجة أن"الطفرة"فرقعت مثل فقاعات الصابون وكانت عملية تصحيح لأوضاع السوق ضرورية وواجبة!
وفي حقيقة الأمر، فإن ما أخذته عملية"تصحيح الوهم"في الأسواق كان هو بالضبط ما جاء به"الاستسلام للوهم"من زيادات في حجم"التعاملات"خلقت إحساسًا زائفًا بالرخاء عندما تضخمت. وخلقت إحساسًا مبالغًا فيه بأزمة"الرأسمالية"عندما فرقعت. بينما الأكيد أن الرأسمالية الأمريكية هي"الآن في أقصى درجات قوتها وكل ما يلزمها هو: ترك الأسواق مفتوحة ومنع أي طرف من التدخل في حركتها".