فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 240

لكن الإمبراطورية دائمًا، وبقوانين الحياة، علو ثم نزول، وتوهج ثم خفوت ـ والسبب ـ طبقًا لنظرية المؤرخ الأمريكي الكبير"بول كنيدي"ـ أن أعباء الإمبراطورية ـ راسخة أو كاسحة ـ تظل تتزايد حتى ينوء بحملها من أقبل عليها في البداية ـ وقد صدقت نظرية"كنيدي"على كل الإمبراطوريات في التاريخ. وبالفعل فإن الإمبراطورية الأمريكية التي كانت تعطى للاقتصاد العالمي ثلاثين في المائة من مدخوله سنة 1960 ـ تراجعت بعد ثلاثين سنة، وإذا هي تنزل إلى 21% فقط ـ أي أن التفوق المطلق ـ أو النسبي ـ للإمبراطورية الأقوى لم يعد كما كان، وإنما تخلف سواء بالإرهاق، أو بجهد أكثر تصميمًا من آخرين.

على أن الإمبراطورية الأمريكية الكاسحة تحاول هذه اللحظة أن تعوض الاقتصادي بالعسكري، وإذا كان نصيبها في القوة الاقتصادية العالمية قد تنازل، فإن سطوتها العسكرية غالبة. وأكبر الظن أن الخطر الحقيقي القادم على الدنيا هو اللحظة التي تحس فيها الإمبراطورية الكاسحة أنها مرغمة على التراجع ـ أمام قوة يمكن أن تسبق، أو تحالف قوى يستطيع أن يتصدى، لأنه ساعتها سوف تكون اللعبة الدولية شديدة الخشونة، بالغة العنف، لأن القوة الأمريكية ـ حتى هذه اللحظة ـ تعلمت كيف تكسب، ولم تتعلم كيف تخسر.

وما لم يحدث غير المنتظر وغير المتوقع، فإن هذه اللحظة موعدها على الأرجح بعد عشرين أو ثلاثين سنة، لكنه طوال هذه المدة وحتى هذا الموعد سوف تظل الإمبراطورية الكاسحة تمارس دورها بكل ما عندها ـ ظاهرًا يراه الناس في حياتها ويقدرون على توصيفه، أو باطنًا يدركه الناس من تحليل تجربتها ـ طبقة في النفس وفي الوعي، فوقها طبقة وتحتها طبقة ـ ويقدرون على تحليله.

وأخيرًا فلا أعرف إذا كان ما حكيته عن الولايات المتحدة في مجال"التوصيف"ـ أو إذا كان ما عرضته من خلال كتاب"العملاق"في مجال"التحليل"ـ كلاهما يكفي لفهم الولايات المتحدة الأمريكية؟ ـ لكنها في كل الأحوال محاولة لاستثارة العقول.

ذلك أن فهم أمريكا، او محاولة فهمها، ضرورة حيوية"للتعامل"معها دون"خوف"يصنعه الجهل، ودون"خفَّة"يصنعها الوهم.

فالعداء لأمريكا ـ وهو أسهل المواقف ـ في هذه الأزمنة خطأ كبير لا تحتمل مخاطره، والوقوع في غرام أمريكا خطأ أكبر لا تحتمل خسائره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت