ومع أن الاتحاد السوفيتي راح يشاغب في أروقة هذا التنظيم الدولي الجديد ـ فإن أمريكا تجنّبت أن تحاربه ـ وإنما تصرف رؤساؤها من"روزفلت"إلى"ريجان"بنفس منطق"فاندر بيلت":"حضرات السادة.."لن أحاربكم لأن الحرب في الأزمنة النووية مخاطرة"ـ لكني سوف أستنْزف قواكم بسباق سلاح لا تستطيعون الخروج منه، ولا تستطيعون الوصول فيه إلى نهاية ـ وكذلك أخرب بيتكم!"
وكانت الفرصة مناسبة اقتصاديًا لأمريكا ـ كما كانت مناسبة سياسيًا. ويكتب"جاك بيتي"أن السياسة الأمريكية راحت تبشر وتدعو إلى"اقتصاد السوق"ـ ثم إن اقتصاد السوق"تحول إلى"مجتمع السوق"ـ ثم إن"مجتمع السوق"تحول إلى"عالم السوق"."
و"عالم السوق"أو"سوق العالم"فيه ألف شركة عابرة للقارات تملك الرأسمالية الأمريكية الأغلبية فيها. وهذه الألف شركة تسيطر على أكثر من نصف اقتصاد العالم إنتاجًا وتوزيعهًا، خصوصًا في قطاعات حاكمة أهمها: المال، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والإعلام ـ وكلها متربعة على عروشها في أقمار صناعية سارية في كل أرجاء الفضاء، مطلة على الدنيا من علٍ ومن بعد!
كذلك أصبح القرن العشرون قرنًا أمريكيًا ـ وكذلك القرن الواحد والعشرون على الأرجح. وهنا تجئ أهمية تحليل أمريكا ـ كما كانت من قبل أهمية توصيف أمريكا.
والشاهد أن العالم عرف من قبل مستويات من الدُّول:
? فهناك الدول: القوى Powers"بريطانيا ـ فرنسا ـ النمسا ـ روسيا ـ الدولة العثمانية ـ مثلًا ـ في وقت من الأوقات قبل الحرب العالمية الأولى".
? وهناك الدول: القوى الكبرى Great Powers"بريطانيا ـ فرنسا ـ ألمانيا ـ إيطاليا ـ الاتحاد السوفيتي ـ مثلًا ـ في وقت من الأوقات قبل الحرب العالمية الثانية".
? وهناك الدول: القوى الأعظم Super Powers"الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وحدهما في وقت من الأوقات زمن الحرب الباردة".
? وهناك بعد ذلك كله"الدولة الكاسحة"ـ وتكل هي الترجمة الأقرب إلى معنى الوصف الذي يطلق الآن على الولايات المتحدة في تفردُّها بالقوة العالمية، وهو وصف. Hyper Power
والمشكلة الكبرى في القوة الكاسحة ـ الأمريكية بالذات ـ أنها ما زالت تجربة مفتوحة وكأن مرحلة الخلق الأولى لها لا تزال مستمرة، هنا فإن وصف القوة الكاسحة وما يتضمنه من الشعور بفعل مستمر ـ ينطبق بشكل مدهش على القوة الأمريكية ـ الإمبراطورية.