كانت الرأسمالية الأمريكية تنمو وتنمو، وكانت قدرتها على التنظيم خرافية لأن المجال أمامها مفتوح للتجديد والنمو، والاندماج في وحدات لها قوة ودول. وهكذا ظهرت دولة"روكفللر"تحت اسم"ستاندارد أويْل"، وتمتلك النصيب الأكبر من بترول أمريكا الشمالية، ثم راحت تنزل على أمريكا الجنوبية وتكاد تحول فنزويلا إلى مستعمرة لإمبراطورية"روكفللر"الذي كان شعاره"إن الله أعطاني ثروتي وليس من حق بشر أن يعترض على إرادة الله".
وفي فصل كتبه المؤرخ الإنجليزي الشهير"بول جونسون"ـ ضمن فصول كتاب"العملاق"بدأ"جونسون"كلامه قائلًا:
"هناك في تاريخ أمريكا نوعان من الآباء المؤسسين للولايات المتحدة:"
ـ نوع من صانعي الاستقلال وكاتبي وثائق الدستور، قادوا محاولة تطوير"الشركة"إلى"دولة""رجال مثل"ألكسندر هاملتون"ـ و"صمويل جونسون"ـ و"جيمس ماديسون"ـ و"بنيامين فرانكلين"ـ وغيرهم".
ـ ونوع ثان من"البارونات اللصوص"، قادوا الرأسمالية الأمريكية وحاولوا أن يحموا"الشركة"من طغيان"الدولة""روكفللر"، ثم رجال مثل"فورد"و"فاندر بيلت"و"ديللون"و"راند".
ولم يكن تعبير"البارونات اللصوص"مجازًا بلاغيًا، وإنما كان للتعبير أصلٌ في الحقيقة. ذلك أن الرأسمالية الأمريكية بنت قوتها الطالعة على عصر جديد تحققت كل اكتشافاته في أوروبا، وقد أخذت الرأسمالية الأمريكية هذه الاكتشافات وأخضعتها لفكرة التنظيم الذي لا يحده قيدٌ من عرف أو تقليد.
وذلك حدث للسيارة، وللطائرة، وللكهرباء، وللطاقة النووية، وللتليفون واللاسلكي، وللكومبيوتر، وللصواريخ ـ وحتى لمساحيق التجميل.
ومثلًا فإن أوروبا كانت هي التي بدأت صناعة السيارات، لكن تدافع العمّال في ورشة وانكفاءهم لإنهاء العمل كان يستغرق ثلاثة أيام لصنع سيارة واحدة ـ ثم توصَّل"هنري فورد"في التنظيم إلى فكرة خط التجميع: مسار واحد لهيكل السيارة يضيف إليه كل عامل يمر أمامه مسمارًا واحدًا أو صامولة واحدة ـ وتم اختصار مدة صنع سيارة واحدة من ثلاثة أيام إلى ثلاث ساعات، وخطوط التجميع صفوفًا ـ واحدًا إلى جانب الآخر ـ والعمال لا يتزاحمون أو ينتظر بعضهم بعضًا، وإنما هم واقفون في أماكنهم وخط التجميع يمر أمامهم، ويؤدى كل واحد منهم حركته بسرعة. وكان ذلك فتحًا في وسائل الإنتاج وصل بأمريكا إلى أن تصبح الأقوى في العالم صناعيًا وتجاريًا.