فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 240

كانت الرأسمالية الأمريكية من طراز مختلف عما عرفته أوروبا أو آسيا ـ فهذه رأسمالية جديدة، عاملة، ومقاتلة، بل وعدوانية، وليست رأسمالية إقطاعية ووراثية وعلى مشارف الانحلال . فالرأسمالية الأمريكية راكمت ثرواتها من أرض الهنود الحمر التي صادرتها وزرعتها، ومن جهد العبيد الذين جلبتهم ورفعت سوط الجلاد فوق ظهورهم، ومن تجارة المحيط التي سيطرت عليها في غفلة من أوروبا، ومن موارد قارة شاسعة وغنية وصلت خطوط السكك الحديدية إلى كل إرجائها طولًا وعرضًا، وجعلتها سوقًا واحدة ـ ثم إنها كانت رأسمالية لها"قلب من حديد"لم تؤثر عليه الثقافة ـ كما حدث في أوروبا ـ فلم يلن لصوت الموسيقى، ولم يتأثر بمسرح النهضة، ولم يجرب المتعة إلى درجة الانحلال في قصور وأسر أوروبا الحاكمة مثل آل"هابسبورج"وآل"رومانوف"وآل"بوربون".

وفي حين أن الرأسمالية الأوروبية الإقطاعية الوارثة قاومت انتشار التعليم ـ فإن أول ذكاء الرأسمالية الأمريكية إدراكها لأهمية التعليم بمنطق أن"أي عامل يتعلم له قدرة إنتاجية أكثر من عامل جاهل"ـ وكان المهم هو ماذا يتعلم؟!

وينقل واحد من مؤلفي كتاب"العملاق"صفحة من كتاب يدرسه تلاميذ المرحلة الابتدائية ضمن منهج بدأ تعميمه في ولاية"نيو إنجلند"سنة 1833، والصفحة على شكل أسئلة وأجوبة تجري على النحو التالي:

"س: لنفرض أن الرأسمالي الذي يستثمر أمواله حقق أرباحًا كبيرة، فهل هذا يضر بالرجل العامل؟"

ج: بالعكس.. ذلك يساعده على أن يدفع أجورًا أحسن لعماله.

س: ما هو الأفضل.. أن يدخر رجل غني أمواله ليستثمرها، أو يصرفها على هواه؟

ج: بالطبع يدخر ويستثمر.

س: هل يمكن أن تشعر بالأسف لأن رجلًا حقق أرباحًا طائلة؟

ج: بالعكس.. سوف أكون شديد السعادة.

س: ما الذي يحول رجلًا من عامل إلى رأسمالي؟

ج: أن يدخر"."

وهكذا سؤال وجواب ملء صفحة، وملء كتاب بأكمله!

وهنا كانت أمريكا تقدم نموذجًا جديدًا في"ترويض الوعي"يبدأه التعليم ـ ثم تجربة العمل ـ"وفيما بعد جاء دور الإعلام".

* مشهد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت